مصر فيها كام تياترو؟ وفي التياترو كام واحد بيعيش وكام واحد بيحلم؟
كلما لمع اسمٌ في عالم الإبداع والفن المصري، سواء داخل المحروسة أو خارجها، يُنسب هذا النجاح وتلك العبقريّة إلى المقولة المصرية التاريخية التي ورثناها ورددناها جميعاً بفخر وانتماء: “أومال ما هي مصرنا ولّادة”.
ولا أعرف ما الذي يحدث لنا بعد أن نردد تلك المقولة حتى يستريح ضميرنا بهذا الشكل، لندخل بعدها في سبات عميق.
مصر التي يولد على أرضها طفل كل أربع عشرة ثانية، يكاد يولد في نفس الثانية موهبة فذة من الخالق، منحة ربانية لا تحتاج سوى أن تُسقى وتُرعى حتى تحيا وتصل إلى المسامع، وتستحق وقتها أن نتغنى باسمها.
ولكن ماذا يحدث لتلك المواهب؟ لن أخوض في البحث عمن غرقوا وضلوا الطريق، فهذا حديث آخر يستحق البحث والدراسة، ولكني بصدد مَن استطاعوا أن يصلوا إلى حافة الوصول؛ هؤلاء الذين ناطحوا الأمواج والأعاصير وبلغوا أول الشط بسلام،
ولكن الغصة تقف في حلقي وفي حلقهم، فلا هم غرقوا مع من غرق ومات فيهم حلمهم، ولا هم استكانوا إلى شطٍّ يرعاهم ويحتضنهم.
إنهم يقفون على مشارف الشواطئ يرونها رأي العين، ويرون الجالسين عليها من أنصاف الموهوبين ومن سدنة الفن المنتفعين، ممدين أرجلهم، يحتسون القهوة ويوقعون العقود ويبدلون الأدوار، ويتمتعون بنعيم مهنةٍ يموت من أجلها أصحاب اليد القصيرة والصوت الخفيض.
لم يسقط منهم حلمهم، ولا استطاعت الأمواج العاتية أن تجتث جذور الأفكار ولا أن تجهض الأحلام؛ فرحين بما أتاهم من فرصة، وهي ليست بالفرصة التي تليق بحجم وقوة ما يحلمون به، ولا بما يحملونه من قدرات وأمانٍ وتوقعات، يصطدمون بالصخور التي تحول دون الوصول.
لم أستطع أن أضع يدي حقاً على تلك الصخور لأعرف فحواها، ومن وضعها، ومن قصد أو لم يقصد أن يعطل مسيرتهم؛ فتلك الصخور ـ على ما أظن، ويا رب يكون ظني خطأ ـ ما هي إلا حزمة من الإجراءات والبيروقراطية والقرارات المركونة بالأدراج.
هناك من يريد لهذا البلد أن تنمو حقاً مواهبه، ويعتقد أنه قد فعل ذلك حين وفر المسارح وقصور الثقافة وغيرها من دور العرض، ولكنها جميعاً، أو حتى أكون منصفة، معظمها لا يرتقي إلى مستوى أن ينمو من خلالها أي إبداع حقيقي.
مسارح الدولة تشبه الكثير من الأشياء المضافة إلى كلمة “الدولة” مهما بلغت الكلمة من قدسية، حتى وصلت هذه الهواية البيروقراطية إلى مساجد ودور عبادة الدولة التاريخية، صاحبة الألف مئذنة أثرية، وآلاف المآذن الأخرى التي ترتفع في قلب القاهرة العامرة بالمساجد وحدها.
أتذكر جيداً أول مرة وطأت فيها قدمي مسجد السيدة نفيسة، وكيف كنت أمني نفسي بتلك الزيارة المباركة، والوعود التي قطعتها على نفسي التي كانت متعبة وأنا أهدهدها: “لا تحزني نحن في سبيلنا كي نفضي همومنا”،
ولكن ما حدث كان أحزن؛ فقد منعتني كل الظروف المحيطة بالمسجد وبداخله من جموع المتسولين الذين يتخذون من المسجد المبارك بيوتاً يبدلون فيها ملابسهم، ويتقاسمون فيه غنائمهم، ويوزعون أنفسهم على الزائرين وأنا واحدة منهم، يرمقونك بنظرات مرعبة إن لم تستجب لرغباتهم، ولا تستطيع أن ترفع فيهم عينك وتقول: “لأمنا الغولة أنتِ عينيكِ حمراء”، وهم بمنتهى الخسة والبجاحة يفتتون الخبز ويأكلون في جنبات المسجد في نهار رمضان.
وذهبتُ إلى مسرح السلام في شارع قصر العيني، القابع بوسط العاصمة المصونة، وعلمت أن هناك أُناساً ممن نجوا، أو ظنوا أنهم نجوا من الغرق، وما زالوا يحلمون؛ يقدمون عرضاً مسرحياً عظيماً، ولكنه غير رحيم حيث كان يحاكي واقعهم، فقد اختاروا اللغة التي يجيدون التعامل بها، وتوقعوا أن تصل أصواتهم حين قدموا عرضاً حقيقياً عن لعنة أن تكون موهوباً، ومشقة الوصول، وقسوة أن تكون متشاف ومش متشاف.. فشعرت بالسعادة والوجع في آنٍ واحد.
إنها زهور تتفتح رغم كل الظروف، تترجى الفرصة وتترجى أن يسمعها أحد، ولكني رأيت المسرح كما قد رأيت من قبل المسجد؛ مكان تاريخي لا يضاهيه في الأصالة والعراقة أي مكان، ولكن يضاهيه ويغلبه أي مقهى بلدي بالقرب منه بما يملك من إمكانيات وتقنيات تفوق المسرح بمسافات.
فمن يرحم تلك النباتات؟ ومن ينقذها قبل أن تذبل وتلحق ببذورٍ في طريقها إلى نفس الأرض غير الخصبة بالمرة؟ إن كانت مصر حقاً ولّادة، فكيف لنا ونحن أبناؤها ألا نرعى ونحمي وليدها؟
Rabab.nabhan@tieegypt.com

