في شهر مارس من عام 2024 م، فى الجهة الجنوبية من المسجد النبوي الشريف ،وعلى بعد خطوات من باب رقم (305 ) بالحرم النبوي الشريف، تم تدشين أحد أجمل متاحف المدينة المنورة “متحف وبستان الصافية”،على مساحة أكثر من 4400 متر مربع، فيهم تخطف أبصار ضيوف الرحمن من روعة وجمال طرازه المعماري الفريد.
المبني مكون من دورين من المطاعم والكافيهات المختلفة التي تناسب جميع الأذواق، ودورين أخرين للمحلات التجارية التى تقدم للسائحين أجمل الهدايا التذكارية والتحف والمجوهرات والعطور والملابس بالإضافة إلى صيدلية ومكتب للصرافة، ومكتبة شاسعة تدعي “دار الزمان” تبيع كل مصنفات الكتب والمراجع الدينية والتراثية التى قد يبحث عنها رواد العلم والثقافة والمعرفة بشأن المدينة، كما توجد عشرات المحلات التي تبيع السبح والبخور والتمور وسجاد المصليات بكل أنواعهم.. هذا بخلاف الدور الأرضي ، ودور أخر تحت الأرض.. وبين طوابق المبني السته تتوزع بساتين النخيل بطريقة هندسية على هيئة مدرجات تحيطها أحواض ونوافير.
فحينما تتوجه للدور السفلي من المبني، ستجد درج طويل نوعا ما، يقودك لمتحف رقمي تفاعلى هو الوحيد من نوعه في العالم الذي يسرد “قصة الخلق” بعشر لغات، في مدة لا تتجاوز 40 دقيقة، بصحبة أكفاء المرشدين المدربين باحترافية على استقبال زوارهم بلطف ورقي شديد.. أحدهم يصطحبك وفق لغة بلدك لقاعات العرض كى تتعرف من خلال المرئيات والتقنيات الحديثة والسرد الإرشادي المبسط للغاية علي شرح وثائقي لقصة ما قبل الخلق، وبداية الخلق، ونشأة مخلوقات الله على الأرض، وتاريخ الأنبياء وفق ترتيب نزولهم بالرسالات السماوية، مع تسليط الضوء بشكل خاص على حياة أولو العزم منذ بداية أبونا “أدم” حتى أشرف الخلق سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم .. وبين زوايا المتحف عشرات القطع الأثرية التي توثق قصة الخلق ، بالإضافة إلى عدة جداريات جميلة جدا ذات لون محايد موثق عليها سيرة كل نبي عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.
وتمر الدقائق سريعاً وأنفاس الزوار محبوسة من جمال وإبداع وحداثة تقنيات وسائل العرض المعرفي الداعمة لإثارة شغفهم نحو اكتشاف المجهول، حتي يتفاجؤوا أنهم بلغوا يوم الحشر، هنا ارتعدت فرائصي واقشعر بدني من فزع وهول يوم النفخ فى الصور، وكيف أن كل ما هو حي سيفنى ولن يبقى إلا الله الواحد الأحد حي أبدا لا يموت، ومن قوة سحر المؤثرات الصوتية والمرئية التي تعلو رأسك، وتحيطك من كل جانب، ستقف مذهولاً في قلب اعجاز مرحلة التغيرات الكونية، ثم تتحرك بقدمين مثقلتين لتكتشف المزيد من غموض الأبواب المغلقة حتى تصل ليوم نفخة البعث وتشاهد الحشر ثم تعلم أخيراً أنك فى حضرة الميزان الإلهي العادل، فتنتفض باكياً مع صوت رخيم آتيا من كل أنحاء القاعة ليعلمك أن الحساب قد بدأ، حينها انفصلت تماماً ذهنياً وروحانياً وكأنني لا أري أو أسمع من حولي شيء ،وتذكرت قوله تعالي:” فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ، نَارٌ حَامِيَةٌ “، مرت الدقائق ودقات قلبي متسارعة، ودموعي تنساب دون إرادتي مهابة وخشية لقاء الله عز وجل، والوقوف بين يديه في يوم ليس ببعيد مقداره خمسون ألف سنة!!
ثم تنبهت أن المرشد ينتظرني فى تقدير وأدب جم ،ممسكاً بباب آخر قاعات المتحف ،لأكتشف أننا وصلنا لمرحلة عبور الصراط ،شفاعة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم تحت عرش الرحمن، ونجاة المؤمنين ، فالتقطت أنفاسي واطمئنت روحي وهدأت ببركة وسكينة الصلاة والسلام عليه.. وخرجت من “قصة الخلق” مستغفرة ومستبشرة بميلاد إيماني جديد.
أيضاً عند زيارتك لمبني”متحف بستان والصافية” إحرص على أن لا تفوتك زيارة متحف”خير الخلق” فى الدور الثاني، الذى يستعرض تاريخ ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، مرورًا بمكة قبل البعثة، ثم مرحلة الدعوة في مكة، ثم الهجرة النبوية إلى المدينة، وروعة استقبال وترحيب أهلها له، ثم ملامح حياته فيها، وقصة وفاته.. بالإضافة إلى مجسمات غاري حراء وثور بالحجم الواقعي، ومحاكاة خيمة أم معبد، ونماذج المسجد النبوي الشريف والمنبر والحجرة النبوية وتطورات بنائها، مما يعزّز ارتباطك المعرفي والإيماني بسيرة أشرف الخلق صلوات ربي وسلامه عليه.. ثم تذكيرك بآخر وصاياه للأمة ، ختاماً بحديثه الشريف “بلِّغوا عنّي ولو آيه”… لتعلم في نهاية المطاف أنك مكلف بإرسال رسالة الحبيب ﷺ لملايين البشر، ويمكنك ذلك دون مشقة أو جهد في ظل التقدم التكنولوجي الهائل الذى أصبح في متناول آيدى الجميع.
متحف وبستان الصافية مسار سياحي ثقافي هام كل ما فيه رائع ومبهر ومؤثر ،ويترك إنطباعاً جميلاً فى قلبك وذاكرتك مدي الحياة ، أدعوك بحب لزيارته ، خاصة أن تذكرة المتحف الواحد 20 ريال، وللمجموعات 10 ريال ، وعند زيارتك المتحفين معاً تفوز بخصم جيد وفق الساعة والتاريخ في حينه، والأهم من ذلك أن المعلومات التي يقدمها متحفي “قصة الخلق”، و”خير الخلق” لزوارهم دقيقة وجذابة ومبسّطة تناسب مختلف الثقافات وكل الأعمار ،وفرصة لن تعوض.

