الدكتورة إيمان العقدة _دكتوراه في القانون الجنائي
في ظل التطورات المتسارعة في عالم الذكاء الاصطناعي، بات الحديث عن “المحامي الروبوت” يفرض نفسه بقوة في الأوساط القانونية، ويثير تساؤلات عميقة حول مستقبل العدالة.
ولكن هل يمكن أن ندافع عن حقوقنا من خلال آلة؟ وهل يمكن الوثوق بمحامٍ إلكتروني كما نثق بالمحامي البشري؟
بدأت مكاتبُ المُحاماة الكبرى على مُستوى العالم في استخدام الذكاء الاصطناعيِّ بشكلٍ كبير، وظهرَ ما يُسمَّى «المُحامي الروبوت» أو «المُحامي الآليّ» أو «المُحامي الذكيّ»، وهو عبارةٌ عن برنامجٍ أو تطبيقٍ إلكترونيٍّ يُؤدِّي العديدَ من المهامِّ التي تنفَّذ عادةً من قبل المُحامين، وباستقراء التَّجارِب المُختلفة في هذا الشأن، يمكنُ القولُ: إنَّ المهامَّ التي يقوم بها المُحامي الآليُّ حتى تاريخه تقتصرُ على قراءة الوثائق وتحليل العقود، والتنبيه إلى ما قد يشوبُها من عيوبٍ ونواقص، وتحديد المَخاطر والمسؤوليَّات والالتزامات، وإعطاء دفوعٍ قانونيَّةٍ بناءً على الأحكام القضائيَّة، وصياغة حُجَجٍ سبقَ للقضاء الأخذُ بها، وتكوين فرضيَّاتٍ بناءً على الأسئلة والوقائع المُدخلة. ولكن لم يتسنَّ حتى تاريخه بناءُ مُحامٍ قادرٍ على المُرافعة في ساحات المحاكم. وعلى كلِّ حال، وأيًّا كان المُستوى الذي وصل إليه المُحامي الآليُّ أو المُحامي الروبوت، يمكنُ للمُحامين البشريِّين استخدامُ المُحامي الروبوت؛ لتسريع عملهم وتوفير تجربةٍ أفضلَ للعملاء من خلال السَّماح لهؤلاء العملاء بخدمة أنفسهم عبر الإنترنت مثال بعض البرامج مثل “DoNotPay” بدأت بالفعل في تقديم خدمات قانونية للأفراد، من الاعتراض على المخالفات إلى صياغة العقود، وكل ذلك بدون أي تدخل بشري تقريبًا.
وقد بدأت جمهوريَّة الصين الشعبيَّة مُؤخَّرًا في الدخول بقوَّةٍ إلى هذه السوق الواعدة، من خلال بعض المكاتب أو شركات المُحاماة، وبحسب تقديرات العام 2017م، فإنَّ المكتب الأول على مُستوى العالم من حيث الدَّخل السنويّ هو مكتب المُحاماة الأمريكي (Kirkland & Ellis)
عدالة أسرع.. وأرخص؟
أكثر ما يميّز المحامي الروبوت هو السرعة وقلة التكلفة. فبدلًا من دفع آلاف الدولارات لمحامٍ تقليدي، يمكن للفرد أن يحصل على خدمة قانونية خلال دقائق وبأقل التكاليف. هذه النقطة تحديدًا جعلت الكثيرين يعتبرون أن الذكاء الاصطناعي قد يكون المفتاح لإيصال العدالة إلى أكبر عدد ممكن من الناس، خاصة في الدول التي تعاني من نقص حاد في المحامين أو بطء الإجراءات القضائية.
رغم هذه المزايا، إلا أن كثيرين لا يزالون مترددين. كيف يمكن محاسبة آلة على خطأ قانوني؟ وماذا لو كانت الخوارزميات التي تديرها متحيّزة؟ وماذا عن خصوصية البيانات والمعلومات القانونية الحساسة؟ الأسئلة كثيرة، والإجابات ليست سهلة.
س/ مستقبل المهنة القانونية في ظل صعود المحامي الروبوت؟
لا يُتوقع أن يحل المحامي الروبوت محل المحامي البشري بالكامل، بل إن المستقبل المرجّح هو التكامل بين الطرفين. سيقوم الذكاء الاصطناعي بالمهام الروتينية والتحليلية، في حين يحتفظ المحامي البشري بالجانب الإنساني والمهارات التأويلية والتفاوضية. ومع ذلك، فإن المهنة القانونية مدعوة لإعادة النظر في مناهجها التعليمية وتدريب كوادرها لمواكبة هذا التحول التكنولوجي.

