كلما اقترب موعد قرار جديد لأسعار الفائدة، عاد السؤال ذاته إلى واجهة النقاش الاقتصادي: هل يخفض البنك المركزي الفائدة أم يثبتها؟ لكن السؤال الأهم الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي هو: ماذا يحدث بعد الخفض؟ وهل يتحول التمويل الأقل تكلفة تلقائيًا إلى مصانع جديدة ووظائف واستثمارات منتجة؟
خفض الفائدة ليس خطة اقتصادية
قد يساعد خفض الفائدة، عندما تسمح به ظروف التضخم والاستقرار النقدي، في تخفيف أعباء الاقتراض وتحسين الجدوى المالية لبعض المشروعات. لكنه لا يعالج وحده بطء التراخيص، أو عدم وضوح الإجراءات، أو ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، أو صعوبة النفاذ إلى الأسواق. المستثمر لا يتخذ قراره بناءً على سعر القرض فقط؛ بل على قدرته على توقع العائد والمخاطر وسرعة تنفيذ مشروعه.
التضخم أولًا.. ولكن ليس وحده
المفاضلة بين كبح التضخم وتحفيز النشاط الاقتصادي ليست مباراة بين فريقين. فالاستقرار السعري شرط مهم للتخطيط والاستثمار، مثلما أن زيادة الإنتاج وتوسيع المعروض ضروريان لتخفيف الضغوط السعرية على المدى الأطول. لذلك لا ينبغي التعجل في التيسير النقدي لمجرد تباطؤ معدل التضخم السنوي؛ إذ يلزم النظر أيضًا إلى التضخم الشهري والأساسي والتوقعات المستقبلية وسعر الصرف والمخاطر الخارجية.
لماذا قد لا تصل فائدة أقل إلى المشروع الصغير؟
حتى عندما تنخفض أسعار العائد المرجعية، قد تبقى تكلفة التمويل الفعلية مرتفعة لبعض الشركات بسبب المخاطر الائتمانية أو متطلبات الضمان أو ضعف البيانات المالية. وهنا تظهر فجوة بين القرار النقدي وواقع الاقتصاد: ما يفيد المقترض الكبير ذي السجل الائتماني القوي قد لا يصل بالقدر نفسه إلى مشروع صغير يحتاج إلى رأس مال عامل. معالجة هذه الفجوة تستدعي أدوات تقييم مخاطر أفضل، وخدمات استشارية للمشروعات، وتحسين آليات الضمان، لا الاكتفاء بالمطالبة بخفض عام للفائدة.
ثلاث أولويات لصنّاع القرار
أولًا: اعتماد مسار نقدي يستند إلى البيانات والتوقعات، مع تواصل واضح يشرح أسباب القرار وحدود تأثيره؛ فالمصداقية تقلل عدم اليقين.
ثانيًا: تسريع الإجراءات التي تخفض التكلفة غير التمويلية للاستثمار، وفي مقدمتها التراخيص وتخصيص الأراضي وتسوية المنازعات.
ثالثًا: توسيع وصول المشروعات الإنتاجية القابلة للاستمرار إلى التمويل، مع الحفاظ على الانضباط الائتماني وعدم تحويل الدعم إلى مخاطر مؤجلة على البنوك أو المال العام.
ماذا يعني ذلك للمواطن؟
لا يقيس المواطن نجاح السياسة الاقتصادية بحركة سعر الفائدة في حد ذاتها، بل بما يطرأ على الأسعار وفرص العمل والدخل الحقيقي. وقد يشعر المدخر بتراجع عائد بعض أوعية الادخار إذا انخفضت الفائدة، بينما قد يستفيد المقترض من تكلفة تمويل أقل وفقًا لشروط عقده. أما التحسن المستدام في مستوى المعيشة فيرتبط، في النهاية، بقدرة الاقتصاد على رفع الإنتاجية وخلق وظائف ذات قيمة مضافة.
الخلاصة: القرار الصحيح لا يكفي وحده
لا أدعو إلى خفض الفائدة بأي ثمن، ولا إلى تثبيتها مهما تغيرت الظروف. أدعو إلى وضع القرار النقدي في مكانه الصحيح: أداة أساسية للاستقرار، لكنها ليست بديلًا عن الإصلاح الاقتصادي. فإذا تراجع التضخم على نحو مستدام، قد يصبح التيسير النقدي فرصة لدعم الاستثمار؛ غير أن استثمار هذه الفرصة يحتاج إلى بيئة أعمال أكثر كفاءة وثقة. الفائدة الأقل قد تفتح الباب، لكن جودة المؤسسات وقدرة الاقتصاد على الإنتاج هما ما يحددان من يستطيع العبور.
………………
د. هاني ثابت | خبير مصرفي وباحث في إدارة الأعمال

