يبدو أن الملكة كانت أكثر تعقلًا وحكمة منهم، فقد أثارت رسالة سليمان تفكيرها أكثر مما دفعتها إلى الاستعداد للحرب.
فكرت الملكة طويلًا، ودرست كل تفاصيل الرسالة بدقة وإمعان، فقد كان اسم سليمان مجهولًا لديها، ولم تسمع به من قبل، وبالتالي كانت تجهل مدى قوته، وربما كان قويًا إلى الحد الذي يستطيع معه غزو مملكتها وهزيمتها.
نظرت الملكة حولها، فرأت تقدم شعبها وثراء مملكتها، وخشيت على هذا الثراء والتقدم من الغزو.
رجحت الحكمة في نفسها على التهور، وقررت أن تلجأ إلى اللين، فترسل إلى سليمان هدية، إذ قدرت أنه ربما يكون طامعًا في ثراء مملكتها، وقد سمع عن غناها.
وحدثت نفسها بأنها قد تتمكن من مهادنته وشراء السلام بهدية، كما قدرت أن إرسال الهدية سيتيح لرسلها فرصة دخول مملكته، والتعرف على أحوال قومه وجيشه، والعودة إليها بالمعلومات التي تساعدها على تقدير الموقف واتخاذ القرار المناسب.
طرحت الملكة فكرتها على رؤساء قومها، واقتنعوا بما عرضته عليهم، فقالت: «إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون، وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون» (الآيتان 34 و35 من سورة النمل).
وصلت هدية الملكة بلقيس إلى الملك النبي سليمان، وأبلغته أجهزة الاستطلاع بوصول رسل بلقيس وهم يحملون الهدية.
أدرك سليمان على الفور أن الملكة أرسلت رجالها للتحري عن قوته، حتى تتمكن من تحديد موقفها منه.
فنادى سليمان في مملكته لحشد الجيش، ثم أمر باستقبال رسل بلقيس وسط غابة كثيفة مدججة بالسلاح.
وفوجئ رسل الملكة بأن ما يحملونه من غنى وثراء يبدو ضئيلًا أمام ما شاهدوه في مملكة سليمان وقصوره، المشيدة من خشب الصندل المعطر والمزينة بالذهب.
ماذا فعل رسل الملكة بلقيس؟
هذا ما سنعرفه في الجزء الثاني عشر.

