جاء القرآن الكريم ليكون دستوراً للمسلمين ،كتاب هداية ورحمة ونور وشِفاءٌ لما في الصّدور ،منه نتعلم أصول العبادات وأحكام المعاملات المنظمة لعلاقة الإنسان بربه وبالآخرين ، ولقد حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن خيرَ الناس وأعظمَهم قدراً ومنزلةً عند الله، بأنهم من يشتغلون بكتاب الله تعلماً وتعليماً، ولقد جاءت اللغة العربية من بين 7000 لغة عالمية لتكون لساناً للقرآن الكريم والسنة المطهرة، أولاً: لأنها لغة قوم سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى بعث فيهم، ثانياً: لأنها لغة ثرية بالمُفردات والمُترادفاتِ والألفاظ المضادة والتشبيه والمَجاز ومشتقات الكلمات والفصاحة والبلاغة.. ومع الزمن أثبتت قدرتها الهائلة على الانتشار الجغرافي السريع ففي أقل من ربع قرن انطلقت الدعوة الإسلامية بلسانها العربي لتغطي الكثير من البلدان في قارتي آسيا وإفريقيا، وترث أكبر حضارتين عالميتين آنذاك؛ الفارسية والرومية ،حتى أصبحت اللغة الرسمية في 27 دولة حول العالم.
لكن مع التوسع الإستعماري البريطاني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وصعود النجم الأمريكي بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، لقيادة حركة التجارة الدولية، أصبحت اللغة الإنجليزية أساسية للمعاملات التجارية في كل دول العالم. وتعاظم دورها أكثر في كل مناحي الحياة بعد الثورة التكنولوجية الهائلة في القرن العشرين وميلاد اختراع علوم الكمبيوتر وشبكة الإنترنت في أمريكا وبريطانيا مما جعلها لغة التواصل الأكثر شيوعاً، واللغة الرسمية ل 67 دولة حول العالم، ومع استمرار التطورات العالمية والتكنولوجية، من المرجح أن تظل الإنجليزية لغة العصر في المستقبل القريب.
وهكذا نجح المخطط الأمريكي فى تحويل العالم إلى قرية واحدة، تتحدث بلغة واحدة، وتشعر بمشاعر واحدة؛ وتعمل تحت راية واحدة، تقودها حكومة واحدة، منفردة القرارات ،ومهيمنة في جميع المجالات دون الاعتماد على القوة العسكرية والاقتصادية فقط .
ونتيجة طوفان اللغة العامية واعتبار أبناء المجتمع المصري اللغة الانجليزية وجاهة، تم تغريب اللغة العربية، والنظر لها بدونية وجهل حتى أصبح الوعى السمعي والبصري الجمعي للمجتمع متقبلاً إهانتها وتشويهها في المنازل ،والمدارس ،والجامعات،والنوادي،والشوارع ، والفضائيات،والأغاني، و المسلسلات، والأفلام، والمسرحيات، والتغاضى عن الأخطاء اللغوية والإملائية في وسائل الإعلام ومواقع الصحف، وإطلاق المسميات الأجنبية على المجمعات السكنية الحديثة والتجارية والترفيهية والمقاهي والمتنزهات ، وإصدارات بعض الصحف والمجلات، حتى تغولت اللغة الأجنبية وأصبح ناطق اللغة العربية الفصحى غريباً بين الناس!!
وفى محاولة منها لإنقاذ لغتنا وثقافتنا وعقيدتنا، قررت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني اعتبار اللغة العربية والدين والتاريخ مواداً رئيسية للهوية الوطنية، وقامت بتخصيص نسبة 20% من النجاح بالمجموع النهائي لمادتى العربي والتاريخ ، بينما ألزمت الطلاب بالنجاح في مادة التربية الدينية بنسبة 70%.. مما أثار حالة واسعة من الجدل والاعتراض بين أولياء أمور طلاب المدارس الدولية والشهادات الأجنبية المنتشرة بالمئات في ربوع مصر ، باعتبار أن هذا القرار يمثل أعباءاً إضافية عليهم وعلى الطلاب !!.. غافلين عن كارثية خلق نشىء عاجز عن القراءة والكتابة بلغته الأم، أو عن أهمية غرس أبسط قواعد وأصول الدين الصحيح في وجدانهم وعقولهم لتحصينهم من شبهات وشهوات الحياة.
لغتنا الجميلة لن تعود لمكانتها أبداً إلا إذا اعترفنا أننا بشكل أو بأخر وقعنا فى قبضة الإستعمار ،وعلى مدار التاريخ لم يكن الاستعمار العسكري هدفه فقط احتلال الأرض، بينما يستهدف أيضاً الهوية والثقافة، ولغتنا العربية كانت الضحية الأولى لهذا الاستعمار، وأنه لا نجاة لنا إلا بتضافر كافة الجهود الحكومية والشعبية وتوحيد صفوفنا وقراراتنا لاسترداد هويتنا وحماية تاريخنا العظيم من مؤامرات العبث والتشوية والتزييف والهيمنة المنظمة لاغتياله منذ آلاف السنين..
إن القرار الوزارى الأخير المتعلق بآليه الحفاظ على الهوية الوطنية، يؤكد أن المسار لازال بأيدينا ، ويعطينا الأمل في توالي القرارات الوزارية المدروسة بعناية والتي من شأنها تصحيح المسار التعليمى والثقافي في مصر.
إن استعادة هيبة ومكانة اللغة العربية الفصحى في جميع مراحل التعليم، والأنشطة الثقافية، والمعاملات التجارية والاقتصادية كلغة أولى نتشرف ونعتز بها فرض عين على كل مسؤول حتى تتنقى مصطلحاتنا العامية،ويرتقي أسلوب الحوار ويعظم فكرنا فيما بيننا بمرورالوقت، ونثبت قدرتنا من جديد على استيعاب مستجدات العصر والعلوم والتكنولوجيا مع الحفاظ على هويتنا وأصالتنا.

