لا أعلم لماذا اتبعت أمينة شلباية، ووجدتني أسلك دربها.
ربما لأن ما تتحدث عنه وتحاول جاهدة أن تُعلّمه لمجتمعٍ أصبح يسبح بعيدًا عن القواعد الأدبية والأصول، الإتيكيت، هو نفسه ما كانت تُعلّمه لي أمي ببساطة. صحيح أنها لم تقل لي يومًا إن هذا هو “الإتيكيت”، لكنها كانت تطلق على كل مسموح وممنوع كلمة: “دي الأصول”.
لا ترفعي صوتك في الحديث.
لا تُحدِثي صوتًا عند الطعام، وكُلي مما يليك.
لا تضحكي بصوتٍ عالٍ وسط الغرباء.
وظلت أمي توصيني ألّا يعلو صوتي، حتى ظننت أني أكتمه فأكون أكثر تأدبًا.
لا أعلم لماذا كانت أمي تُهتمّ بمقابلتهم، حاملة كل هذا الكم من الأدب الجم لغرباء بهذا القدر، وتُعلّمني وتُجلّ الأخلاق.
وأنا من جانبي اعتقدت أن الغرباء يتعرضون لما أتعرض له؛ يستيقظون على صوت الراديو وابتهالات، ولا يخلدون إلى نومهم قبل أن يُصلّوا العشاء… النقشبندي وقرآن ودعاء.
ألتقي الغرباء وأضحك معهم بصوتٍ منخفض، فيصبحوا أصدقاء حين يصبح بيننا عيش وملح. ما أجمل أن يكون العيش والملح بالشوكة والسكين.
هم أخلاقي ومهاراتي، وأنا أتناول وأراعي كل القواعد، وأستعرض أمامهم ذلك. لن أمد يدي إلى رغيف لا تطوله يدي، ولن يعلو صوتي ولا صوت مضغي، حتى وإن كان أقسى من قسوة ألمٍ ألمَّ بنفس رغيفٍ يُغتصب، فلن يكون الفم حجرًا قاسيًا.
وقابلت الغرباء، جلست معهم، حادثتهم واستمعت إليهم، واقتربت منهم أكثر، وأخرجت من جيبي صور الذاكرة البصرية التي صنعتها أمي لهم، عليّ أن أجدهم… أو أجد أحدهم.
ولكنهم…
وهم يأكلون، يرتفع صوتهم إلى حدٍّ يتجاوز قامتهم بقليل، ولا يصل إلى فم أحدهم الطعام إلا من اغترف بيده. كانوا يُحدِثون ضجيجًا، ورأيت بعضهم لا يشبع من رغيفه، وكانت يده أسرع من عقلي الذي لمح رغيفًا يُلتهم بشراهة، بينما كان عالمهم تحت أقدام منحنٍ الرأس، منهمكًا في نزع الشوكة والسكين قبل أن تختفي ملامحه… الغرباء.
برتراند راسل
في المجتمعات غير العادلة، غالبًا ما تُمنح الفرص لمن يُجيدون الصراخ أكثر ممن يُجيدون الفعل.

