محمد عبدالوهاب يكتب: انتخابات في أزمة… والمال السياسي يتصدر المشهد

admin2023admin2023 24, نوفمبر 2025 20:11:33

 

حين يحاصر المال السياسي صناديق الانتخاب.. أزمة تتجاوز المنافسة لتهديد المشهد

لا يمكن لأي متابع للانتخابات الحالية أن يغضّ الطرف عن المشهد المضطرب الذي يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، فالأزمة لم تعد قاصرة على طعون أو شكاوى فردية داخل دوائر محددة، بل تحوّلت إلى حالة قلق عامة، يتشاركها مرشحون وناخبون ومراقبون، بشأن مدى قدرة العملية الانتخابية على التعبير عن الإرادة الحقيقية للمصريين في ظل انفلات المال السياسي وانتشاره بصورة غير مسبوقة.

المال السياسي… اللاعب الذي يزوّر الوعي قبل أن يزوّر الأصوات… إذ في كل موسم انتخابي يظهر المال السياسي، لكنه في هذه الدورة بالتحديد خرج من الظل إلى الضوء، وتحول إلى أداة ضغط لا تخفي نفسها، ولم يعد الأمر مقتصرًا على خدمات فردية أو مساعدات موسمية، بل أصبحنا أمام شبكات مالية منسقة، تعمل على استغلال الاحتياج، وصناعة كتلة تصويتية تُوجَّه لا وفق الاقتناع، بل وفق القدرة على الدفع.

والمأساة هنا ليست فقط أن المال يمكن أن يشتري الصوت، بل أنه يصنع رأيًا عامًا مزيفًا، ويقلب ميزان المنافسة بين مرشح يملك رؤية، وآخر يملك “ميزانية”.

دوائر انتخابية تغلي… وطعون تتدفق، وتذداد الطعون داخل بعض الدوائر لم يكن مفاجئًا، فالمشاهد التي تسربت من اللجان الفرعية ومن محيطها تشير إلى ارتباك حاد:

مرشحين يعلنون رسميًا عدم حصولهم على محاضر الفرز.

طوابير تم توجيهها بشكل فج.

سيارات تنقل الناخبين مقابل “خدمة” أو “مبلغ”.

دعاية انتخابية لم تتوقف حتى أمام أبواب المدارس.

هذا هو الوقائع المرير ـ وإن اختلفت تفاصيلها ـ تشكل مزاجًا عامًا من الشك يهدد صدقية العملية السياسية برمتها، ويضع الهيئة الوطنية للانتخابات أمام اختبار صعب:
هل تلتزم بالحياد الكامل؟
وهل تعلن نتائج باقي الدوائر بشفافية؟
وهل تكون مستعدة لاتخاذ قرار جريء مثلما حدث منذ أيام؟

المواطن… الحلقة الأضعف أم محور المعركة؟… المؤسف أن المواطن المصري، الذي يفترض أن يكون صوته هو جوهر العملية الانتخابية، أصبح هو الأكثر تعرضًا للضغط، وفي مناطق كثيرة، تحول الناخب إلى “ورقة” بيد من يملك المال، بعدما وجد بعض المرشحين أن الطريق الأقصر إلى البرلمان يمر عبر حسابات مصرفية لا صناديق اقتراع.

ومع ذلك، يظل هناك قطاع واسع من الناس يرفض الانجرار وراء المال السياسي، ويصر على ممارسة حقه بضمير، لكن هؤلاء يواجهون أحيانًا حالة فوضى تنظيمية تجعل مشاركتهم محل شك أو مراجعة لاحقة.

الهيئة الوطنية للانتخابات… مطالبات بالشفافية ولا تقبل التأجيل، وأمام هذا المشهد، تصبح الهيئة الوطنية للانتخابات مطالبة ـ بل ملزمة ـ بأن تتعامل مع الأزمة بمنتهى الجدية:

إعلان واضح عن الطعون والإجراءات المتخذة مثلما حدث مؤخرًا.

كشف المخالفات التي سوف ترصد في الدعاية الانتخابية او ما بعد الانتخابات.

ضمان حصول كل مندوب على محاضر الفرز دون استثناء.

وعدم التردد في إعادة الانتخابات في أي دائرة تبدو فيها إرادة الناخبين غير واضحة أو مشوهة.

الحديث عن “إرادة الناخبين” ليس ترفًا سياسيًا، بل أساس شرعية البرلمان القادم، وأساس الثقة بين الدولة والمجتمع.

لا يمكن بناء حياة سياسية حقيقية في ظل تغوّل المال السياسي، فالبرلمان الذي يأتي عبر “القدرة المالية” لا يمكن أن يمثل الشعب، ولا يمكن أن يشرع قوانين تحمي الفقراء وهو جاء على أكتاف فقرهم، ولا يمكن أن يراقب الحكومة من الأساس حين تكون أول بوابة دخل منها هي بوابة “شراء النفوذ”.

الأزمة الحالية ليست مجرد خلافات انتخابية، بل معركة على شكل الدولة ومستقبل التمثيل الشعبي، وإذا لم يكبح المال السياسي الآن، فسيصبح هو القاعدة لا الاستثناء، وسيتحول البرلمان إلى نادي أصحاب النفوذ، لا بيت الأمة.

المشهد الآن يحتاج إنقاذًا قبل أن يفقد المصريون ثقتهم… الانتخابات ليست فقط أوراقًا تفرز، ولا صناديق تغلق، بل هي عقد اجتماعي بين المواطن والدولة… وما يحدث الآن يهدد هذا العقد من جذوره، وإنقاذ المشهد لا يكون بالصمت، بل بالشفافية والمحاسبة وإرادة سياسية واضحة تقول للجميع:
لا صوت يعلو فوق صوت الناخب… ولا مال يستطيع شراء مصر.



اخبار مرتبطة