رباب نبهان تكتب: علاقات خطرة !

العالم الآنالعالم الآن 18, مايو 2026 10:05:20

اضطررتُ أن أعيش وأجاور سمكة، وهي الأخرى اضطرت أن تعيش معي ولا ترى سواي؛ بعد أن فقدت شريكها في حوض زينةٍ صغيرٍ جداً بالنسبة لي، أما بالنسبة لها.. فهو كل عالمها، وأنا كل ناسها.

فهمتُ أني المصدر الوحيد لسعادتها، لتوفير احتياجاتها وتأمين غذائها، لأمانها واستقرار نفسيتها.. لقد تعاملتُ معها مثلما أتعامل مع البشر وأكثر، إلى حدّ أني شعرتُ بالملل بدلاً عنها!

تخيلتُ نفسي محبوسةً وراء جدارٍ زجاجي؛ يمرّ من أمامي طفل لزج فيطلق صرخةً مدوية، وآخر يعبث ببيتي ويقذف لي بواقي طعامه، وزوج “لذيذ” يطلب من زوجته أن تعدّني طعاماً لعشائه، وسيدة تنادي ابنتها طوال اليوم لتعطف عليّ وتلقي لي بقليل من الزاد.. وبعد أن ينفضّوا من حولي ويذهبوا، وتنتهي فقرة السيرك التي وضعوني فيها.. أظلُّ وحدي، في هذه الوحدة الغامرة.

حزنتُ، ووقفتُ طويلاً بجانبها؛ أخبرتها عما أشعر، ورويتُ لها كيف أرى حياتها وكم من الألم أستشعر، ووعدتها أني سأبذل قصارى جهدي لأخرجها من محبسها، وأوفر لها مكاناً أجمل وأحن.. اشتريتُ لها بالفعل غطاءً دافئاً يحميها من برد المياه التي تعيش فيها، وتركتُ لها مساحةً من أفضل مساحات بيتي وأكثرها غلاوةً على نفسي (ركن الكنبة)، بل واقتطعتُ لها جزءاً من طاولتي المخصصة لكوب الشاي الساخن، أو القهوة الباردة في فصول الصيف.

والآن.. أفكر ملياً أن أطلب من طبيب العيون أن يصنع لها نظارة، تستطيع من خلالها أن تتابع معي المسلسل العربي، دون أن تضطر إلى التركيز المفرط الذي يصيب الرأس بالصداع.. وحتى إن أصابها هذا الصداع الذي يأتينا دوماً، فلا ضرر؛ إذ يمكنها ببساطة أن تفتح الدرج المجاور، حيث تسكن كل مسكنات الألم.

كادت ضحكاتُ صديقتي تخترق أذني حين أخبرتُها عما أنوي فعلَه، وحينما تأكدتْ أني لا أهذي، أخبرتني أني بهذا الشكل أُدبّر لجريمة قتلٍ مكتملة الأركان! وأن السمكة المسكينة التي أوقعها حظها العاثر في بيتي هي ضحيّتي وضحيّة جنوني، وسوف تلقى حتفها قبل أن ترتدي نظارتي، وسوف تغادر عالمنا وهي ترتجف تحت الغطاء الذي سيكتم حتماً آخر نفسٍ تملكه، بعد أن انتزعتُها من موطنها!

………..

صديقتي حمقاء.. وسمكتي أكثر حماقةً إن صدّقتْ صديقتي! لا يمكن أن يكون هذا جزاء الحب، ولا يمكن ألا تبادلني السمكة نفس المشاعر، وأنا الوحيدة في هذا العالم التي شعرتُ بوحدتها ومللها.. أنا مَن أحياها وفضّلها عمن سواها، وآثرها على نفسي لتشاركني موطن دفئي…

لا يمكن أن تموت السمكة.. ولا يمكن أن تتركني.. ومستحيل أن ترحل!

ولكن.. كم من “مستحيل” رددتُها طوال السنين الماضية؟ كم راهنتُ عليهم وخسرت، وكم صمتُّ ليالٍ ثلاثاً كفارةً عما أقسمت! فلا هم عادوا واعتذروا، ولا أنا عن هواهم تبت.

قلوبهم قاسية وذاكرتهم فولاذية، وأنا قد بلغت البلاهة عندي منتهاها، حتى صارت ذاكرة السمكة أفضل مني

rabab.nabhan@tieegypt.com


#استقرار #السعادة #حوض #رباب نبهان تكتب #سمكة #شريك #علاقات خطرة #موقع العالم الآن الإخباري alalamalan.com #نفسية

اخبار مرتبطة