الثلاثاء. مايو 19th, 2026

حين تتحول المناصب من سلطة إلى أثر

admin2023admin2023 19, مايو 2026 18:05:08

بقلم :د ٠ رامى الناطر

خبير فى إدارة الأزمات والكوارث

 

منذ أكثر من قرن، تشكّلت أغلب الشركات الكبرى وفق نماذج إدارية صارمة مستوحاة من عالم الجيوش والمصانع. في ذلك الزمن، كانت الفكرة الأساسية تقوم على الانضباط والتسلسل الواضح للسلطة، ولذلك ظهرت مسميات تنفيذية أصبحت مألوفة اليوم، مثل: الرئيس التنفيذي، والمدير العام، ورئيس العمليات، والمدير المالي، ومدير الموارد البشرية. ولم تكن هذه الألقاب مجرد أسماء، بل كانت تعكس طريقة التفكير السائدة آنذاك؛ إدارة تُمارَس من الأعلى إلى الأسفل، وضبطًا دقيقًا لحركة العمل داخل مؤسسات ضخمة تعتمد على الإنتاج اليدوي وخطوط التصنيع.

 

ومع الثورة الصناعية في أوروبا وأمريكا، بدأت هذه المسميات الإدارية تتبلور بصورة أوضح، إذ كانت الشركات تُدار بعقلية تقوم على السيطرة والإشراف المباشر. فكان لقب “Chief Executive Officer” يعبّر عن أعلى سلطة تنفيذية في المؤسسة، بينما يتولى “Chief Operations Officer” إدارة العمليات اليومية، ويختص “Chief Financial Officer” بالإشراف على الموارد المالية. وقد نشأت هذه الألقاب في بيئة عمل تعتمد على الأوامر الواضحة، والرقابة المستمرة، والتسلسل الإداري الصارم، لذلك بدت آنذاك منطقية ومتوافقة مع طبيعة ذلك العصر.

 

لكن العالم اليوم تغيّر بصورة جذرية. فالشركات الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المصانع وخطوط الإنتاج، بل أصبحت بيئات قائمة على الإبداع، والتعاون، والمرونة، والابتكار، وحتى الذكاء الاصطناعي. ومع هذا التحول، بدأت تظهر فجوة واضحة بين المسميات الوظيفية التقليدية وبين الأدوار الحقيقية التي يؤديها الأفراد داخل المؤسسات. فقد نجد شخصًا يحمل لقب “مدير”،بينما يكون دوره الفعلي أقرب إلى محفّز للفريق، أو صانع للحلول، أو قائد للتغيير، أو حتى مصمم لأنظمة جديدة، أكثر من كونه مديرًا بالمعنى التقليدي.

 

ومن هنا يبرز سؤال مهم: لماذا لا تزال هذه المسميات القديمة تُستخدم بالشكل نفسه رغم تغيّر طبيعة العمل؟

 

الإجابة ترتبط بشكل مباشر باللغة وتأثيرها في الثقافة التنظيمية. فالمصطلحات ليست مجرد كلمات، بل أدوات تصوغ طريقة التفكير داخل المؤسسة. وعندما تُستخدم مسميات تقليدية جامدة، فإنها تعزز — بصورة غير مباشرة — ثقافة تقوم على السلطة والبيروقراطية والمركزية. بينما تحتاج الشركات الحديثة إلى بيئة مختلفة تمامًا، تقوم على المشاركة، والتمكين، والبناء المشترك، والابتكار.

 

ولهذا السبب، بدأت بعض الشركات الحديثة، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا، في تبني مسميات أكثر مرونة وإنسانية، مثل:

 

• Builder

• Creator

• Enabler

• Growth Lead

 

وهي مسميات لا تركّز على السلطة بقدر ما تركّز على التأثير والدور الحقيقي داخل الفريق.

 

ومن وجهة نظري، يمكن إعادة صياغة المسميات التقليدية بطريقة تعكس روح العصر. فبدلًا من “الرئيس التنفيذي”، قد نرى توصيفات مثل: “قائد الرؤية”، أو “القائد المؤسس”، أو “الداعم الأول”. وبدلًا من “مدير الموارد البشرية”، قد نسمععن “شريك المواهب”، أو “صانع الثقافة”، أو “شريك تطويرالإنسان وبناء القدرات”، بحيث لا يقتصر الدور على التوظيفوالإجراءات الإدارية، بل يمتد إلى تنمية المواهب، وتعزيز جودةالحياة المهنية، وصناعة بيئة عمل تحفّز الإبداع والانتماء والنموالمستمر.

 

اما مدير العمليات فقد يتحول الى قائد التمييز التشغيلى

 

.

 

في حين يمكن إعادة تصور “مدير سلاسل الإمداد” ليصبح“صانع الابتكار اللوجستي”، بحيث لا يقتصر دوره على إدارةالتوريد والنقل، بل يمتد إلى تطوير حلول ذكية ترفع الكفاءة، وتقلل الهدر، وتعزز سرعة الاستجابة.

 

وبالمثل، يمكن إعادة تعريف “المدير المالي” ليصبح “قائد الاستدامة المالية”، بحيث لا يُنظر إليه كجهة رقابية على الأرقام فقط، بل كشريك داعم يمكّن الفرق الأخرى من اتخاذ قرارات أفضل عبر توفير رؤية مالية واضحة ومرنة.

 

كما يمكن استبدال “إدارة تكنولوجيا المعلومات” بـ “إدارة الحلول الذكية والتقنيات”، بما يعكس دورها الحديث في تمكين الأعمال وابتكار الحلول، لا مجرد تشغيل الأنظمة والدعم الفني.

 

الهدف من كل ذلك ليس تغيير الأسماء لمجرد التغيير، بل إعادة ربط المسمى الوظيفي بالمعنى الحقيقي للدور داخل المؤسسة.

 

لأن المسمى الوظيفي في النهاية ليس مجرد لقب يُكتب على بطاقة تعريف، بل رسالة نفسية وثقافية تؤثر في طريقة فهم الموظف لدوره. فعندما يشعر الفرد بأن لقبه يعكس تأثيره الحقيقي، فإنه يميل أكثر إلى الإبداع، والمشاركة، والبناء، بدلًا من الاكتفاء بتنفيذ المهام ضمن حدود السلطة.

 

ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يبدو أن مستقبل الإدارة يتجه نحو هياكل أكثر مرونة، وأقرب إلى فرق عمل متعاونة بدلًا من المؤسسات الهرمية التقليدية. وربما في هذا المستقبل، لن يكون الأهم هو لقب “الرئيس التنفيذي”،بل القدرة على صناعة الأثر، سواء سُمّي هذا الدور “قائد البناء” أو “مُمكّن النجاح”.



اخبار مرتبطة