لو أنك افترضت أن نظرية المؤامرة ماهي إلا شماعة لمن يريدون تبرئة أنفسهم من العجز والفشل فإن نصف افتراضك صحيح والنصف الآخر خطأ..فليست كل الحالات متشابهة وليس النظر إليها له قواعد ثابتة..فأنت إذا أخذت بكل الأسباب وأكملت متطلبات الإجادة وسارت الأحداث في مسارها الطبيعي من حقك أن تشك وتفكر وتطلق رأيك النهائي بأنك بصدد ملامسة مؤامرة..أما لو أنك لم تأخذ بما ذكرته سابقا فإن تبرير خسارتك او عجزك لايحتمل تعليقها علي مؤامرة.
المؤامرة موجودة علي مدار التاريخ وفي كل العصور ..والحقيقة الوحيدة التي تدفعنا إلي الإرتكان إليها احيانا هي تجارب البشر مع التاريخ الذي اكد أن القوي غالبا يتآمر علي الضعيف وأن الأقوياء متنافسون فيما بينهم في التآمر علي بعضهم البعض ،ثم هم متنافسون ومتسابقون في حلبة عالمية ل”من منهم ينجح أكثر في التآمر علي الضعقاء” ولكي يكبر ويقوي أكثر علي حساب المنافسين وتتعاظم هيمنته .
وفي المونديال الحالي يكفي أن نسخته في حضن ترامب الذي يسابق نفسه وغيره لكسر كل القواعد التقليدية المتعارف عليها واستسهال استخدام التفوق المطلق لمكاسب وتفوق نسبي في قضايا او مجالات معينة..وليس غريبا للمتابعين من هواة ملاحقة السياسة الدولية أن يروا ترامب يتصل بإيفانتينو لكي يعيد لاعبا مطرودا ،أما المواطن العادي الذي يتفرغ لكرة القدم ولاينافسها عنده أي نشاط آخر ،فإنها تظهر أمامه كأغرب وأعجب ماعايشه في حياته أو علاقته بالفرجة والمتابعة لكرة القدم..من هنا انفجر الجدل العنيف بعد سيناريو مباراة المنتخب مع الأرجنتين ..كانت نهاية السيناريو عنيفة علي عاطفة المشجعين بكل انواعهم وأصنافهم ..فأنا مثلا ارتفع ضغط دمي ىغم اعتيادي مظالم شتي في الدوري المحلي، ثم بكت ابنتي التي ليس لها علاقة أصلا باللعبة، ثم اشتكت زوجتي من انفراط في جسمها وطاقتها وهي كذلك لم ارها مرة تشاهد مباراة او تتحدث عن لاعب او فريق بل بلا مبالغة لاتعرف لماذا يجري هؤلاء المجانين وراء كرة..مثل هؤلاء عشرات الملايين يشجعون بلدهم مصر من خلال المنتخب ،ويعتبرون المنتخب شرفهم وكرامتهم أمام الناس الغرباء في امريكا والمكسيك وكندا ..هؤلاء حزنوا جدا وزادوا من حزني وأنا المتخصص في الصحافة الرياضية وتعودت علي مثل هذه الفصول الساخنة والباردة..هؤلاء الذين حتي الآن مستمرون في سخطهم علي الاتحاد الدولي والحكم الفرنسي والأرجنتين ويأملون لو أن مصر تحرك جيوشها لإجبار الفيفا علي إعادة المباراة..
وهؤلاء الذين لايتحدثون عن أية اسباب أخري لهروب المجد الكبير في ربع ساعة شهدت ثلاثة أهداف معتدية ظالمة..وإذا ناقشتهم في أمور فنية يكاد بعضهم أن يطعنك بسكين المطبخ ..مثلا لو قلت لهم انه من غير المتصور أن ينفتح مرمانا ويسهل الوصول إليه في ١٠ دقائق أخيرة تعيسة وهو الذي استعصي ٨٢ دقيقة ظهر خلالها ميسي كالكتكوت المبلول لاحول له ولاقوة..فإن رد فعلهم يظل عنيفا لاينقص قيد أنملة..إنها وطنية فطرية تخص المصريين أكثر من غيرهم..
وانا شخصيا أقف في وسط الطريق..رأيت بعيني مؤامرة شهدتها المباراة تفقع العين ،ولا اقول أنني سأراجع الحالات لكن سأراجع احساسي بنوايا الحكم في المباراة كلها ،ولامانع أن أطرح سؤالا عن هدفنا الملغي وأتصور لو كان عكسيا وللأرجنتين ،وكذلك اطرح سؤالا بصرف النظر عن صحة او خطأ ضربة جزاء صلاح لماذا لم يتحرك الفار..عندي حق ان اطرح هذا السؤال وأعتقد لن يكون رد فعل الناس بعد استدعاء الفار مثل رد فعلهم بدون استدعاء حتي لو لم يحتسب الحالة ضربة جزاء..ثم ماهذا السخف الذي يظهره إيتفانتينو كمشجع في المقصورة..يشجع الأقوياء علي الضعفاء؟..
العاطفة تغلبنا دائما إلا انه في نفس الوقت أسأل نفسي لماذا سمحت نظرية المؤامرة بخروج الدول الثلاثة المنظمة من البطولة..ثم اعود وأتساءل لماذا تحركت الشرطة الأمريكية ضد فساد الفيفا بعد خروج أمريكا مباشرة..لماذا لم يأت التحرك قبلها ؟..
عموما هي نفحات مما اعتدنا عليه كصحفيين عندما نتابع حدثا فريدا عالميا وشموليا في الكرة والسياسة والمال والهيمنة..
وإلي لقاء في حلقة أخري

