رد الجميل
في بداية عام 1998، كنت شابًا من قرية شطورة بمحافظة سوهاج، أنهيت دراستي في الصحافة بكلية الآداب جامعة جنوب الوادي، وأحمل حلمًا أكبر من إمكانياتي، وأبحث عن فرصة تفتح أمامي بابًا إلى عالم الصحافة.
سمعت أن هناك ندوة للكاتب الصحفي والإعلامي الكبير مصطفى بكري في مدينة أبوتيج بمحافظة أسيوط، فقطعت الطريق الطويل من قريتي إلى أبوتيج في شتاء شديد البرودة، لا لشيء إلا لأستمع إليه وأحظى بفرصة للسلام عليه.
وعندما انتهت الندوة، اقتربت منه وسلمت عليه.. لم يكن يعرفني، ولم أكن بالنسبة إليه سوى شاب يبحث عن فرصة، لكنه قال لي جملة لم أنسها حتى اليوم: «ابقى تعالى انتظرك يا عمر في جريدة الأسبوع بالقاهرة».
كانت جملة عابرة في نظره، لكنها بالنسبة إليّ كانت بداية حلم جديد.. عدت بعد الندوة أبحث عن وسيلة مواصلات تعيدني إلى قريتي، فلم أجد.. انتظرت في محطة قطار أبوتيج حتى الصباح، جالسًا على الرصيف، أحمل في قلبي وعدًا من رجل لم أكن أعرفه إلا من خلال كتاباته وظهوره الإعلامي.
وبعدها ذهبت إلى القاهرة، وكان الأستاذ مصطفى بكري في انتظاري كما وعدني، وبدأت رحلتي معه في جريدة الأسبوع..استمر عملي معه حتى عام 2015، أي 17 عامًا كاملة، لم أعرف خلالها الأستاذ مصطفى بكري الصحفي والإعلامي فقط، وإنما عرفت الإنسان الذي يقف إلى جوار من يحتاج إليه، والأخ الأكبر الذي لا يتأخر عن تقديم النصيحة والمساندة.
كان نعم الأخ والأستاذ والناصح الأمين، وكان جدعًا معي ومع جميع الزملاء، بسيطًا في تعامله، قريبًا من الجميع، لا يتعامل مع من يعملون معه باعتبارهم مجرد مرؤوسين، بل يحرص على أن يكون بينهم وبينه رابط إنساني يتجاوز حدود العمل.
ساندني في بداية مشواري الصحفي، وكان له فضل في تعييني والتحاقي بالعمل الصحفي، عندما قرر تعييني في 15 أكتوبر عام 2001.. وفي عام 2015، انتقلت للعمل بجريدة الأخبار بمؤسسة أخبار اليوم، على يد الراحل الكاتب الصحفي القدير الأستاذ ياسر رزق، الذي له في عنقي فضل لا يُنسى أيضًا.
لكن انتقالي من جريدة الأسبوع إلى الأخبار لم يكن انتقالًا بعيدًا عن الأستاذ مصطفى بكري، فقد ظلت علاقتي به كما هي، ولم تنقطع يومًا، لأنها لم تكن علاقة رئيس تحرير بصحفي يعمل معه، وإنما علاقة أخ كبير وأستاذ قدير بتلميذه.
حبه الشديد لمصر
أما عن وطنيته، فهذه حكاية أخرى.. قد نختلف مع الأستاذ مصطفى بكري في بعض المواقف أو نتفق معه، فهذه طبيعة الحياة والعمل العام، لكن ما لا يمكنني إنكاره، بحكم سنوات العشرة والمعرفة، هو حبه الشديد لمصر وارتباطه بقضاياها.
لم يكن يتعامل مع مصر باعتبارها مجرد موضوع يكتب عنه أو قضية يناقشها في برنامجه، بل كان يرى أن الوطن أكبر من الأشخاص والمناصب والحسابات الشخصية.
كان يقول لنا دائمًا في اجتماعات التحرير: «مصر أكبر من أي شخص، وأكبر من أي منصب، واللي يحب مصر بجد لازم يدفع ثمن حبه لها».. وكانت هذه العبارة تعبر عن قناعة راسخة لديه، وعن طبيعة رجل لا يفصل بين ما يؤمن به وما يكتبه ويقوله.
واليوم، وأنا أتابع الهجمة الإلكترونية التي يتعرض لها، وما يثار حول مواقفه وآرائه، أتذكر ذلك الشاب الذي بات ليلته على رصيف محطة قطار أبوتيج، وأتذكر الرجل الذي لم يكن يعرفه، لكنه فتح له بابًا، وانتظره كما وعده، ومنحه فرصة لم يكن يملك من أجلها سوى الحلم والطموح.
لست هنا بصدد الدخول في سجال مع أحد، ولا أدعي أن الأستاذ مصطفى بكري فوق النقد أو الاختلاف، فمن حق الجميع أن يختلفوا مع آرائه ومواقفه، لكن ليس من العدل أن يتحول الاختلاف إلى حملات تستهدف الشخص وتنتقص من تاريخه، أو أن تُمحى سنوات العطاء والمواقف الإنسانية بسبب موقف أو رأي لا يلقى قبول البعض.
مواقف لا تنسى
هذا المقال ليس مجاملة، ولا دفاعًا عن شخص تربطني به علاقة قديمة فحسب، وإنما هو رد جميل وشهادة حق أكتبها بعد 28 عامًا من العشرة والعمل والمواقف التي لا أنساها منذ دخولي مجال الصحافة رسميًا حتى الآن.
تعلمت من هذه التجربة أن الصحافة ليست مجرد مهنة، وأن النجاح لا يقاس فقط بما نكتبه أو نحققه، وإنما أيضًا بما نتركه في نفوس الآخرين من أثر، وبما نمده من أيدٍ لمن يبحثون عن فرصة.
شكرًا أستاذي وأخي الكبير مصطفى بكري.. شكرًا لأنك لم تنس وعدًا قطعته لشاب في ندوة بأبوتيج، وشكرًا لأنك كنت حاضرًا في محطات مهمة من حياتي.
ستبقى في ذاكرتي كما عرفتك دائمًا.. أخًا كبيرًا، وأستاذًا، وناصحًا أمينًا، وصاحب فضل لا أنساه.

