عاجل
الأربعاء. نوفمبر 4th, 2026

د.إبريك المنقوش الزوى يكتب:دولة الغنى وشقاء الإنسان.. قراءة في مؤشرات التصدع والانهيار

العالم الآنالعالم الآن 4, نوفمبر 2026 16:11:01

حين تصبح طوابير الوقود مشهدًا يوميًا مألوفًا، وحين تلهث الأسر وراء رواتب تتأخر شهرًا بعد شهر، وترتفع معدلات الفقر حتى تقترب من تهديد الأمن المجتمعي، وسط مظاهر فساد تنخر في جسد المؤسسات، فإن الأمر يتجاوز حدود الأزمة العادية، ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا وخطورة في علم الدول والسياسة: أين تنتهي الأزمات المؤقتة، ومتى تبدأ مؤشرات الانهيار الفعلي؟

لم تعد هذه الأسئلة ترفًا فكريًا أو مجرد تساؤلات نخبوية، بل أصبحت تعبيرًا عن نبض الشارع ووجع المواطن، الذي بات يرى دولته تختنق ببطء بين مطرقة سوء الإدارة وسندان الصراع على البقاء.

مفارقة مؤلمة: غنى الأرض وشقاء الإنسان

إن الكارثة الحقيقية لا تكمن في ندرة الموارد، بل في عجز منظومة الحكم عن إدارة مقدرات الدولة وتوفير مقومات الحياة الطبيعية في بلد يزخر بالخيرات.

فطوابير البنزين الطويلة ليست مجرد أزمة إمداد، بل عنوان واضح لشلل إداري يعجز عن إدارة أبسط مقومات الدولة الخدمية.

أما تأخر صرف المرتبات، فيمثل مساسًا مباشرًا بكرامة المواطن، ويعكس خللًا في أولويات الإنفاق العام، حيث تُهدر الميزانيات في الصراعات وتجفيف حواضن الاستقرار، بينما يُترك الموظف يواجه صعوبات متزايدة لتأمين احتياجات أسرته الأساسية.

كما يتحول ارتفاع مستويات الفقر تدريجيًا إلى قنبلة اجتماعية موقوتة، تتراجع معها مكانة الطبقة الوسطى، ويُدفع الشباب نحو اليأس أو الهجرة غير النظامية، بما يهدد باستنزاف الدولة من عمقها البشري والحيوي.

بين الانهيار الحتمي وفرصة الإنقاذ التاريخي

هل نحن أمام انهيار حتمي؟ الإجابة: ليس بالضرورة. فالكثير من الدول لا تنهار دفعة واحدة، بل قد تتآكل مؤسساتها تدريجيًا إذا استمرت سياسات الهروب إلى الأمام، لكنها تظل تملك فرصة النجاة متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة لاتخاذ قرارات جادة.

إن مؤشرات التصدع هذه ليست سوى انعكاس واضح لواقع الإدارة الحالية، وهي في الوقت نفسه إنذار لكل مسؤول يتولى زمام القرار، بأن التاريخ لا يرحم العاجزين، ولا يخلد المبررات.

ما الذي ينبغي فعله قبل فوات الأوان؟

إنقاذ ما يمكن إنقاذه لا يحتاج إلى شعارات رنانة، بقدر ما يتطلب خطوات عملية وعميقة، تبدأ من:

أولًا: إعادة ترتيب أولويات الخدمات

توجيه الموارد والطاقات نحو معالجة الأزمات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها السيولة والوقود والكهرباء، وجعل توفير الخدمات الأساسية أولوية لا يمكن التراجع عنها.

ثانيًا: ترسيخ الشفافية ومكافحة الفساد

مواجهة الفساد المالي والإداري دون مهادنة، ووضع حد للتلاعب بالمال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية.

ثالثًا: توجيه البوصلة نحو المواطن

الانتقال من إدارة الأزمات الحزبية والشخصية إلى حماية الأمن الغذائي والمعيشي، وتوفير احتياجات الفئات الفقيرة والمتضررة.

خلاصة القول

إن الدول تُقاس بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها وتأمين سبل عيشهم، وليس بمجرد استمرار حكوماتها في السلطة. وإن جرس الإنذار الذي تدقه طوابير الوقود وأنين الفقراء ليس دعوة إلى اليأس، بل صرخة أخيرة لإيقاظ أصحاب القرار: إما التحرك لإنقاذ الدولة، وإما مواجهة تداعيات قد تطول الجميع.

……………………….

الملحق الإعلامي للسفارة الليبية بالقاهرة


#أخبار ليبيا اليوم #الأزمة في ليبيا #الملحق الإعلامي للسفارة الليبية بالقاهرة #ليبيا

اخبار مرتبطة