استكمالًا لقصة سيدنا داود عليه السلام، وما منَّ الله به عليه من النعم والفضائل، فقد كان من أعظم ما آتاه الله أن ألان له الحديد، قال تعالى: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ»، فكان يصنع منه الدروع التي تحمي المقاتلين، قال سبحانه: «وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ».
وكان داود عليه السلام كثير العبادة والتسبيح، وقد سخَّر الله له الجبال والطير تسبح معه، فقال تعالى: «يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ».
وكان داود عليه السلام مثالًا في الشكر والعبادة، فكلما زاده الله من فضله، ازداد قربًا منه وشكرًا لنعمائه.
وبعد أن نصر الله داود على جالوت، وأكرمه بالملك والحكمة، أصبح نبيًا وملكًا، وآتاه الله الحكم وفصل الخطاب، قال تعالى: «وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ».
وكان داود عليه السلام حريصًا على العدل بين الناس، لا يحكم بينهم بالهوى، وإنما يستمع إلى الخصوم ويتبين الحق قبل إصدار الحكم.
وكان لداود عليه السلام ابن اسمه سليمان، وقد آتاه الله منذ صغره عقلًا راجحًا وفهمًا عظيمًا. وكان سليمان عليه السلام يتعلم من أبيه، حتى أظهر الله حكمته في إحدى القضايا التي عُرضت على داود عليه السلام.
فقد جاء رجلان يحتكمان إلى داود عليه السلام؛ أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم. وقال صاحب الحرث إن غنم الرجل الآخر دخلت حرثه ليلًا، فأفسدته وأكلت زرعه.
فحكم داود عليه السلام بينهما، ثم أظهر الله لسليمان عليه السلام وجهًا آخر من وجوه الحكم، قال تعالى: «فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا».
وهكذا ظهرت حكمة سليمان عليه السلام منذ صغره، وكان ذلك من فضل الله عليه وعلى أبيه داود عليه السلام.
وكان داود عليه السلام، رغم ما آتاه الله من الملك والحكمة، دائم التعلم والرجوع إلى الحق، فكان العدل أساس حكمه، والحكمة طريقه، وشكر الله غايته.
ومن هنا تبدأ قصة أخرى من قصص الحكمة والعدل في حياة نبي الله داود عليه السلام، وهي قصة تكشف لنا كيف علَّم الله نبيه أن يتثبت في الحكم، وأن يستمع إلى جميع أطراف الخصومة قبل أن يقضي بينهم.
ولنستمع إلى هذه القصة في الجزء التالي.

