رباب نبهان تكتب: طاجن بامية

العالم الآنالعالم الآن 26, مايو 2026 11:05:50

لقاءُ أحبةٍ لا يمكن أن يحدث سراً؛ ينبعث منهما شذى عذبٌ بعد ثوانٍ من العناق. جمعتهما جغرافيا المكان، ونارٌ تلتهب فتزيد أشواقهما لذة واحتراقاً، حتى يعلم القاصي والداني أن في الأفق طعاماً يُصنع.. إنه العناق الأبدي بين الثوم والزبدة

بينما كنتُ أستمتع بمتابعة هذا اللقاء المثير الذي يحدث في مطبخي، إذ بي أرى ما هو أكثر إثارة.. آثارٌ لبقع من الدم تتناثر هنا وهناك! تلاهيتُ عن كشف مصدرها، فلن تنتظرني النار، ولن تحنو على طاجن باميةٍ بذلتُ فيه قصارى جهدي، وأفنيتُ فيه نصف صباحي، ونصف فنجان قهوتي الذي أعدتُ تسخينه مراراً وتكراراً ثم نسيتُ أن أشربه
دخلتْ علي ابنتي، وتعالى صوتها منزعجة: “ما هذا الجرح الذي بيدكِ؟
نظرتُ إلى جرح كفي الذي كان غائراً، وإلى يدي التي تخضبت بالكامل باللون الأحمر، وحينها فقط.. شعرتُ ببعضٍ من الإعياء، وكثيرٍ من الألم، وصرختُ صرخة ألم مدوية

تذكرتُ ما شاهدته بالأمس في فيلم وثائقي عن متسلق الجبال البريطاني “جو سيمبسون”، وهو يروي كيف شارف على الموت أثناء تسلقه جبال الأنديز برفقة زميل له.
تعرض “جو” لسقوط مروع تفتتت معه عظام ساقه، وهوى في شق جليدي سحيق، فظن صاحبه أنه مات فتركه وقفل عائداً. طوال الأيام الثلاثة التالية، لم يكن “جو” يشعر بأي ألم رغم تفتت عظام ساقه؛ بل كثّف عقله مجهوده كاملاً نحو غريزة النجاة، فظل يزحف على بطنه بلا توقف وبأطراف مكسورة حتى وصل إلى معسكر زملائه. وهناك،
في الثواني الأولى التي أبصرهم فيها.. صرخ صرخة ألم مدوية
وناهيك عن المقارنة الجائرة بين ما تعرض له الصديق “سيمبسون” وما أتعرض أنا له.. فكم من متسلق جبالٍ نجح أو حتى سقط دون أن يسمع عنه أحد، أما أنا، ففي حالة سقوطي تصل الرائحة إلى جيراني، وحارس عمارتي الذي يجري مسرعاً ليخبر زوجي قبل أن يطرق الباب: “إلحق.. المدام حرقت البامية

الا يحدث ان زرت احد اقاربك و ظننت فى بادىء الامر انه يبدو على ما يرام .. و بعد انا تجاذبتا اطراف الحديث و رشفتين من الشاى وسألته ببساطة و ربما برتابه كيف الحال ؟ فسالت دموعه و تحولت الى نحيب و ربما الى …صرخة ألم مدوية ..

جميعها صرخات مؤجلة

جسدُك يخفي عنك الوجع، ويحجبُ استشعاره ما دمتَ وحدك. إنه بروتوكول حمايةٍ صارم يُطبقه عقلك طوال عزلتك، فإذا ما ظهر في محيطك بشرٌ تحبهم، اطمأنَّ العقل، وألقى إليهم براية حمايتك؛ هنا فقط يجد الألم مساره الحر، وتطلق أنت صرخة ألم مدوية.
نحن لا نتألم إلا في حضور الناس.. لا نشتكي، لا نصرخ،
ولا نقول ‘آه’ إلا حين نوقن أن هناك من يسمعها

‏rabab.nabhan@tieegypt.com


#القاصي #جرح #جغرافيا #جو سيمبسون #حارس #رباب نبهان تكتب #رباب نبهان تكتب: طاجن بامية #متسلق الجبال البريطاني #نار #والداني

اخبار مرتبطة