لماذا يُعرض البعض عن الاستجابة للمبادرات المجانية ويرفض يد العون ، وكيف نغير هذه الثقافة؟
لقد شهد المجتمع المصري في السنوات الأخيرة طفرة في المبادرات التنموية والصحية والتعليمية المجانية، بدءًا من الحملات الصحية الشاملة، مرورًا ببرامج محو الأمية، وصولًا إلى الخدمات الاجتماعية المتنوعة. ورغم الحاجة الماسة لقطاعات واسعة من المواطنين لهذه الخدمات، ظهرت ظاهرة مستعصية تُعيق وصول النفع لأصحابه: الامتناع، والتوجس، والاتهام المسبق لمُقدم الخدمة بالتربح!
فما الذي يدفع الشخص المحتاج إلى رفض الخدمة المجانية، بل والاعتقاد بأن مُقدمها يتاجر به؟ وكيف يمكننا تفكيك هذه الصورة الذهنية لتسود ثقافة التعاون؟
أولًا: لماذا يراود الشكُّ بعضَ أفراد المجتمع؟
قبل أن نلوم المتلقي، علينا فهم دوافعه؛ فالرفض هنا ليس مجرد “عناد”، بل هو نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية متعددة و منها :
* قاعدة المجاني لا قيمة له:
لقد ترسخت في العقل الجمعي عقود طويلة فكرة أن “كل ما هو مجاني فهو رديء أو بلا فائدة”، وأن الخدمة الجيدة لا بد أن تكون مقابل مادي.
* نظرية المطبخ الخفي:
عندما يرى المواطن جهودًا ضخمة وأجهزة وكوادر تُقدم له دون مقابل مادي مباشر، يبحث عقله تلقائيًا عن “المقابل الخفي” ليُفسر العملية، فيفترض أن المؤسسة أو القائمين عليها يحققون مكاسب طائلة من وراء حضوره (“أنتم شغالين بينا”).
* عقدة الخوف على الكرامة:
يشعر البعض أن قبول الخدمة المجانية يُصنّفهم في خانة “الضعف” أو “العوز”، فيلجأ إلى الهجوم والشك كحيلة دفاعية لحماية كبريائه وكرامته.
* شائعات وتجارب سابقة:
تُسهم الشائعات وتجارب سيئة سابقة مع مؤسسات غير احترافية في بناء جدار من الخوف من المجهول أو الخوف من استغلال بياناتهم الشخصية.
كما أن العزوف عن الاستفادة من الخدمات المجانية التي توفرها الدولة أو تقدمها المؤسسات الاجتماعية والشركات لا يقتصر أثره على الحرمان الشخصي فحسب، بل يمتد ليكون هدرًا صريحًا للموارد العامة والخاصة.
فعندما تُخصص الجهات المعنية ميزانيات ضخمة، وتُسخّر طاقات بشرية ولوجستية لتقديم خدمات صحية، تعليمية، أو ثقافيه بالمجان، فإن الهدف الأسمى يكون تحقيق التنمية المستدامة ورفع جودة حياة المجتمع. ورفض هذه الخدمات أو التغاضي عنها يؤدي مباشرة إلى:
تعطيل الطاقات والميزانيات: إهدار الأموال والجهود التي صُرِفت لإعداد هذه البرامج دون تحقيق العائد المجتمعي المرجو منها.
حرمان المجتمع من الاستفادة الكاملة: تفويت الفرصة على تحقيق الاستفادة القصوى من التسهيلات التي تكفلت بها الدولة أو القطاع الخاص لدعم الأفراد.
إضعاف خطط التنمية المستقبليّة: حيث قد يُفسَّر عدم الإقبال على هذه الخدمات -لأساب غير موضوعية- على أنه عدم حاجة لها، مما قد يدفع المؤسسات إلى تقليصها أو إلغائها مستقبلاً، وهو ما يضر بالمصلحة العامة.
ثانيًا : كيف نعالج هذه الأزمة ونعدل المفاهيم؟ (خطة المواجهة(
لتحويل مسار هذه المبادرات من مرحلة “التوجس والشك” إلى مرحلة “الإقبال والشراكة”، نحتاج إلى تغيير استراتيجيات التفكير والتقديم كما يلى :
-1 تغيير لغة الخطاب (من الشفقة إلى الحق والمواطنة)
يجب ألا تُقدّم الخدمات المجانية على أنها “حسنة” أو “منحة”، بل كـ “حق أصيل للمواطن” أو “استثمار في بناء المجتمع”.
.2 إبراز أن هذه الخدمات مدفوعة أصلًا من الضرائب أو الدعم المجتمعي الشامل، وبالتالي المواطن لا يستجديه أحد، بل يحصل على حقه.
2. الشفافية الذكية وإلغاء الغموض
3* شرح “لماذا تُقدم هذه الخدمة مجانًا؟” بوضوح وبساطة للجمهور؛ مثلاً: “الدولة/المؤسسة تقدم هذا البرنامج لأن محو
الأمية يرفع اقتصاد بلدنا ويفيد المجتمع كله، والصحة المبكرة توفر على الدولة ملايين في علاج الأمراض المتأخرة”.
عندما يفهم المواطن المصلحة العامة المتبادلة، يزول شكّ البحث عن المصلحة الخفية.
.3 كسب قادة الرأي المحليين
قبل إطلاق أي مبادرة في حَيّ أو قرية، يجب كسب ثقة الشخصيات المؤثرة محليًا (رائدات ريفيات، كبار العائلات، شباب مسموع الكلمة، أئمة المساجد) . عندما يرى المواطن أن ابن منطقه أو شخصًا يثق به يدافع عن المبادرة ويشارك فيها، ينكسر حاجز الخوف تلقائيًا.
.4 رفع جودة الخدمة والاحترام النفسي
الانطباع الأول يغير كل شيء؛ فحسن الاستقبال، والنظام، والنظافة، واحترام وقت المواطن يُشعر المستفيد بالقيم المضافة للخدمة، ويدحض فكرة أن “المجاني رديء”.
. 5مفهوم “المقابل الرمزي” أو المشاركة الإيجابية
في بعض البرامج (خاصة التعليمية)، يمكن ربط الخدمة بمشاركة إيجابية بسيطة من المستفيد (مثل التطوع لساعات معينة، أو إحضار متدرب آخر)، لكي يشعر أنه شريك في النجاح وليس مجرد مفعول به
ان أزمة الامتناع عن المبادرات المجانية ليست دليلاً على عدم الحاجة، بل هي أزمة ثقة وتواصل. وحين ننتقل من مجرد “تقديم الخدمة” إلى “بناء الجسور وتصحيح مفاهيم الشراكة المجتمعية”، سنرى كيف يتحول التوجس إلى إقبال، والشك إلى تقدير.
كما إن الوعي بأهمية المبادرة والاستفادة من المبادرات والخدمات المجانية هو جزء لا يتجزأ من المواطنة الفاعلة، والسبيل الأمثل لضمان استثمار كل ما تُسخّره الدولة والمؤسسات الاجتماعية والشركات لصالح أفراد المجتمع

