الحروب لا تنتهي دائماُ بتوقيع الاتفاقيات، بل كثيراُ ما تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداُ، حيث تتراجع أصوات المدافع قليلاً لتعلو أصوات السياسة والاستخبارات وإعادة رسم خرائط النفوذ. فالتاريخ يخبرنا أن وقف إطلاق النار لا يعني انتهاء الصراع، وإنما انتقاله من ساحات القتال المفتوح إلى ساحات التفاوض والردع والرسائل العسكرية المحسوبة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل انتهت المواجهة؟ بل: لماذا تستمر الضربات العسكرية رغم الاتفاق؟ ومن المستفيد من بقاء المنطقة في حالة توتر دائم؟
الاتفاقية… نهاية معركة أم بداية مرحلة جديدة؟
توقيع أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا يعالج بالضرورة جذور الأزمة، بل يهدف غالباً إلى احتواء التصعيد ومنع انفلاته إلى حرب إقليمية شاملة. وعندما تبقى الملفات الجوهرية دون حلول، فإن احتمالات تجدد الاشتباكات تظل قائمة. ولهذا فإن استمرار الضربات المحدودة بعد الاتفاق لا يعد أمراً استثنائياً، بل يمثل سلوكاً معتاداً في النزاعات المعقدة، حيث تستخدم العمليات العسكرية المحدودة كوسيلة للردع، أو لتوجيه رسائل سياسية، أو لتحسين المواقع التفاوضية دون الوصول إلى
مواجهة واسعة.
لماذا تستمر الضربات العسكرية؟
الضربات المتفرقة التي تشهدها المنطقة لا تعني بالضرورة انهيار الاتفاق، وإنما قد تعكس توازناً دقيقاً بين الرغبة في تجنب الحرب الشاملة، والحاجة إلى الحفاظ على صورة الردع أمام الخصوم. فهناك أهداف متعددة لهذه الضربات، منها: اختبار ردود فعل الخصوم، منع إعادة بناء القدرات العسكرية للطرف الآخر، توجيه رسائل داخلية للرأي العام، تحسين شروط أي مفاوضات قادمة، الحفاظ على توازن الردع دون تجاوز الخطوط الحمراء. ومن ثم فإن المنطقة تعيش اليوم ما يمكن وصفه بـ”السلام المسلح”، حيث تتراجع الحرب المفتوحة، لكنها لا تختفي.
الداخل الأمريكي… السياسة قبل السلاح
يصعب فهم التحركات الأمريكية بمعزل عن الاعتبارات الداخلية. فالإدارة الأمريكية مطالبة بالحفاظ على أمن حلفائها، وفي الوقت نفسه تجنب الانخراط في حرب طويلة ومكلفة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والانقسامات السياسية. كما أن الرأي العام الأمريكي أصبح أكثر حساسية تجاه التدخلات العسكرية الخارجية، بينما تسعى واشنطن إلى تركيز مواردها على المنافسة مع الصين، ما يجعلها تميل إلى إدارة الأزمات أكثر من توسيعها.
الداخل الإسرائيلي… تحديات أمنية وسياسية
في إسرائيل، لا تزال الاعتبارات الأمنية تتداخل مع الحسابات السياسية. فالحكومة تواجه ضغوطاً داخلية تتعلق بالأمن، ومستقبل الأسرى، والانقسامات السياسية، ومستقبل الائتلاف الحاكم. ومن ثم، فإن أي تصعيد أو تهدئة لا ينظر إليه فقط من زاوية الأمن القومي، بل أيضاً من زاوية تأثيره على المشهد السياسي الداخلي، وهو ما يجعل القرارات العسكرية جزءاً من معادلة أكثر تعقيداً.
لبنان… التوازن بين الردع والانهيار
يبقى لبنان أحد أكثر الساحات حساسية، حيث يؤدي أي تصعيد إلى تهديد الاستقرار الداخلي في ظل أزمة اقتصادية عميقة. وفي المقابل، تدرك جميع الأطراف أن تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة حرب مفتوحة قد يجر المنطقة إلى مواجهة أوسع، لذلك تستمر سياسة “الضربات المحسوبة”التي تحقق رسائل ردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
القضية الفلسطينية… هل عادت إلى مركز الاهتمام؟
رغم الاتفاق، لا تزال القضية الفلسطينية تمثل جوهر الأزمة في الشرق الأوسط. فالحديث اليوم لا يقتصر على وقف إطلاق النار، وإنما يمتد إلى مستقبل قطاع غزة، وإعادة الإعمار، وترتيبات الإدارة، ومستقبل السلطة الفلسطينية، وإحياء المسار السياسي وصولاً إلى حل عادل يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وبدون معالجة هذه الملفات، ستظل احتمالات تجدد العنف قائمة.

أوروبا… بين الأمن والطاقة
يراقب الاتحاد الأوروبي تطورات المنطقة بقلق، ليس فقط لأسباب سياسية، وإنما لما تمثله من تأثير مباشر على أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والهجرة غير النظامية، والاستقرار الاقتصادي. ولذلك تدعم العواصم الأوروبية جهود تثبيت التهدئة، خشية أن تؤدي أي مواجهة جديدة إلى موجة اضطرابات تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
الصين وروسيا… قراءة مختلفة للمشهد
تنظر بكين إلى الاستقرار الإقليمي باعتباره ضرورة لحماية طرق التجارة والطاقة، بينما ترى موسكو أن استمرار انشغال الغرب بأزمات الشرق الأوسط قد يمنحها مساحة أوسع للتحرك في ملفات دولية أخرى. ومن هنا، فإن كلتا الدولتين تتابعان التطورات من منظور استراتيجي يرتبط بإعادة تشكيل النظام الدولي، وليس فقط بالأحداث الميدانية.
الدول العربية… البحث عن الاستقرار
تتفق غالبية الدول العربية على أن الأولوية تتمثل في منع توسع الصراع، والحفاظ على استقرار المنطقة، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية، مع الدفع نحو تسوية سياسية تعالج جذور الأزمة. ورغم اختلاف الأدوات الدبلوماسية بين الدول، فإن الهدف المشترك يبقى تجنب حرب إقليمية واسعة ستكون كلفتها باهظة على الجميع.
مصر… سياسة الثبات وسط العاصفة
منذ بداية الأزمة، حافظت مصر على موقف ثابت يقوم على عدة مرتكزات: رفض تهجير الفلسطينيين، وحماية الأمن القومي المصري، ودعم إدخال المساعدات الإنسانية، وتشجيع الحلول السياسية، مع استمرار جهود الوساطة لخفض التصعيد. وقد أكسب هذا النهج القاهرة مكانة محورية باعتبارها أحد أبرز الأطراف القادرة على التواصل مع مختلف القوى، ما يجعل دورها عنصراً رئيسياُ في أي ترتيبات مستقبلية تخص القضية الفلسطينية أو الأمن الإقليمي.
من المستفيد من استمرار التوتر؟
لا توجد إجابة واحدة لهذا السؤال، فاستمرار التوتر قد يخدم أطرافاً مختلفة بطرق مختلفة؛ إذ قد تستفيد بعض القوى من تعزيز الردع، بينما ترى أطراف أخرى في الأزمات وسيلة لتحسين شروط التفاوض أو إعادة ترتيب موازين النفوذ. وفي المقابل، تتحمل شعوب المنطقة العبء الأكبر من استمرار عدم الاستقرار، سواء على المستوى الإنساني أو الاقتصادي.
السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: استمرار التهدئة الهشة (الأكثر ترجيحاً). تستمر الاتفاقية، مع وقوع ضربات محدودة واحتواء سريع لأي تصعيد، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. السيناريو الثاني: تصعيد إقليمي محدود. تتوسع دائرة الاشتباكات عبر ساحات متعددة، لكن مع استمرار الجهود الدولية لمنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة. السيناريو الثالث: انفراج سياسي تدريجي. فقد تنجح الوساطات في تثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق نحو ترتيبات سياسية وأمنية أوسع، وإن كان هذا السيناريو يتطلب توافقات معقدة. السيناريو الرابع: انهيار الاتفاق. تؤدي سلسلة من الضربات أو سوء التقدير إلى انهيار التفاهمات وعودة المواجهات العسكرية الواسعة، وهو السيناريو (الأقل تفضيلاً) لجميع الأطراف نظراً لتكلفته العالية.
وفي النهاية، لم تعد الأسئلة المطروحة اليوم تتعلق فقط بمن انتصر أو من خسر، بل بكيفية إدارة مرحلة ما بعد الاتفاق، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو استقرار تدريجي أم نحو جولة جديدة
من الصراع. فالشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق تاريخي، تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والمصالح الاقتصادية والتنافس بين القوى الكبرى. ومن ثم، فإن استمرار الضربات المحدودة لا ينبغي أن يقرأ باعتباره دليلاً على فشل الاتفاق بقدر ما يعكس هشاشة التوازنات القائمة.
ويبقى مستقبل المنطقة مرهوناً بقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، لأن السلام الحقيقي لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على بناء استقرار دائم يعالج جذور الصراع، لا مظاهره فقط.

