حين يخرج علينا بين الحين والآخر من يحمل صفة مسؤول سابق ليمارس هواية “لي عنق الحقيقة” والتقليل من الإنجازات الاستراتيجية الكبرى، فإن ما يطرحه لا يعبر إلا عن ضحالة في التحليل ومحاولة بائسة لتزييف التاريخ. وما شهدناه مؤخراً من تصريحات عبر فضائية “العربية” لأحد وزراء الإعلام السابقين في دولة الكويت الشقيقة، بشأن “مشروع النهر الصناعي العظيم”، يمثل نموذجاً صارخاً للخطاب الإعلامي الموجه الذي يتجاهل الحقائق الدامغة إرضاءً لتوجهات ضيقة.
إن محاولة إنكار وجود أكبر مشروع لنقل المياه في العالم على أرض الواقع، لا تعكس سوى جهل مطبق أو تجاهل متعمد لما تحقق بسواعد ليبية خالصة. فالوقائع والأرقام الهندسية تقف صاغرة لتدحض كل تلك الادعاءات الوهمية.
النهر الصناعي العظيم: أرقام تخرس التدليس
إن الحديث عن النهر الصناعي ليس ترفاً فكرياً، بل هو ملحمة هندسية وبشرية شهد بها القاصي والداني. ولعل استعراض بعض الحقائق والأرقام الرسمية يضع الأمور في نصابها الصحيح لكل من يبحث عن الحقيقة بعيداً عن أهواء التضليل:
أضخم شبكة نقل مياه في العالم: يمتد المشروع عبر منظومات نقل متكاملة يقارب طولها 4000 كيلومتر من خطوط الأنابيب والقنوات، ليخترق الصحراء الكبرى وينقل الحياة إلى المدن والسهول الساحلية.
شرايين متدفقة يومياً: يضخ المشروع ملايين الأمتار المكعبة يومياً من المياه العذبة المستخرجة من أحواض المياه الجوفية العميقة (نظام الحجر الرملي النوبي) لتغذية العاصمة طرابلس ومدن بنغازي وسرت ومختلف التجمعات السكانية والزراعية.
معجزة حفر وعمل: يضم المشروع أكثر من 1300 بئر بعمق يتجاوز خمسمائة متر للبير الواحد، متجاوزاً بمجموع أعماقه ارتفاع قمة إفرست بأضعاف مضاعفة.
إنجاز بلا ديون: لعل الإنجاز الأبرز يتمثل في أن هذا المشروع العملاق تم تمويله وتنفيذه بالكامل دون أي قروض خارجية أو وصاية مالية دولية، معتمداً على الإرادة الوطنية الخالصة والخبرات العالمية الشريفة.
تاريخ يتكرر: حين تسقط أصوات التشكيك
إن ظاهرة تكذيب العظائم ليست وليدة اليوم؛ ففي أُوّل مراحل إنجاز هذا المشروع، واجه النهر حملات تشكيك مشابهة من بعض الأبواق الإعلامية. ولعل التاريخ يذكر كيف تم دعوة الإعلامية مروة الأردنية في بدايات تدفق المياه لأول خزانات المشروع لتشهد بنفسها على الحقيقة الماثلة أمام الأعين. وحينها صدحت حناجر الوجدان الليبي من فيض الشاعر علي الكيلاني لتؤكد الواقع وتوثقه للأجيال بكلمات خالدة بقيت محفورة في الذاكرة:
«ها هو النهر وصل يا مروة.. تكرامي وضيوفك تروى».
لتكون تلك الزيارة شهادة حية على عظمة إنجاز لم تستطع أبواق التشكيك حجبه. واليوم، يعيد التاريخ نفسه عبر استنساخ تلك الأسطوانات المشروخة، ظناً بأن الظروف السياسية الراهنة قد تمنح البعض غطاءً للنيل من إنجازات الأجيال.
رسالة في آداب الحوار الوطني
إن ليبيا وشعبها العظيم بتاريخه ومقدراته، أكبر من أن تأثر في مكانتها أصوات عابرة تسعى لتزييف الواقع. إن النهر الصناعي سيظل يروي الأرض ويدفق الحياة في عروق الوطن، شاهداً على أن الإرادة الحقيقية تصنع المعجزات.
إن الرد الأمثل على أمثال هؤلاء ليس بالنزول إلى لغة المهاترات، بل برفع سقف الحجة، وإشهار لغة الأرقام، والتأكيد على أن تاريخ الشعوب وإنجازاتها الحقيقية أبقى بكثير من زبد الألسنة وتدليس المنابر.

