عاجل
الجمعة. أغسطس 7th, 2026

د عائشة الدجدج تكتب: الاقتصاد التضامني… ركيزة الجمهورية الجديدة لتحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية

admin2023admin2023 7, أغسطس 2026 12:08:39

 

يشهد العالم في العقد الأخير تحولًا نوعيًا في الفكر الاقتصادي، فلم يعد النجاح التنموي يُقاس فقط بارتفاع معدلات النمو أو زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحسين حياة الإنسان، والحد من الفقر، وتوفير فرص العمل اللائق، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الاستدامة البيئية. ومن هذا المنطلق، برز الاقتصاد التضامني باعتباره أحد أكثر النماذج الاقتصادية قدرة على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية.

لقد كشفت الأزمات العالمية المتعاقبة، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد والتقلبات الاقتصادية الدولية، أن الاقتصادات الأكثر قدرة على الصمود ليست بالضرورة الأكبر حجمًا، وإنما تلك التي تمتلك شبكات قوية من التضامن المجتمعي، ومؤسسات اقتصادية واجتماعية قادرة على تعبئة الموارد المحلية، وتعزيز المشاركة الشعبية، وتحويل المواطنين من متلقين للدعم إلى شركاء في الإنتاج والتنمية.

ويمثل الاقتصاد التضامني رؤية اقتصادية حديثة تقوم على مبدأ أن النشاط الاقتصادي يجب أن يخدم الإنسان والمجتمع قبل أن يخدم رأس المال، وأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا إذا اقترنت بالنمو العادل، وتكافؤ الفرص، والتمكين الاقتصادي للفئات الأكثر احتياجًا. ولذلك يعتمد هذا النموذج على التعاونيات، والمؤسسات الأهلية، والمشروعات الاجتماعية، والأسر المنتجة، والتمويل المجتمعي، وريادة الأعمال الاجتماعية، بوصفها أدوات لإنتاج الثروة وتحقيق العدالة في الوقت ذاته.

وقد أكدت الأمم المتحدة أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني أصبح أحد المسارات الأساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لما يملكه من قدرة على الحد من الفقر، وخلق فرص العمل، وتمكين المرأة، ودعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز الشراكات المجتمعية. كما دعت منظمة العمل الدولية إلى توسيع دوره باعتباره وسيلة فعالة لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والعمل اللائق.

وفي هذا الإطار، تمتلك مصر جميع المقومات التي تؤهلها لتصبح نموذجًا إقليميًا في الاقتصاد التضامني؛ فهي تمتلك قاعدة واسعة من مؤسسات المجتمع المدني، وجمعيات أهلية منتشرة في مختلف المحافظات، وحركة تعاونية عريقة، وشبابًا يمثلون النسبة الأكبر من السكان، إضافة إلى إرادة سياسية واضحة تدعم التنمية المستدامة وتمكين القطاع الأهلي وتعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع.

وتتوافق هذه الرؤية بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية مصر 2030 التي تؤكد أن الإنسان هو محور التنمية، وأن بناء اقتصاد تنافسي لا ينفصل عن تحقيق العدالة الاجتماعية، والاستثمار في رأس المال البشري، وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية في عملية التنمية.

ومن هنا، فإن الاقتصاد التضامني لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نشاطًا خيريًا أو بديلًا عن اقتصاد السوق، بل باعتباره قطاعًا اقتصاديًا منتجًا يضيف قيمة حقيقية للناتج القومي، ويخلق فرصًا جديدة للاستثمار الاجتماعي، ويعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويزيد من قدرة المجتمعات المحلية على الاعتماد على مواردها الذاتية.

إن الجامعات المصرية يقع على عاتقها دور محوري في ترسيخ ثقافة الاقتصاد التضامني، من خلال تطوير المناهج الدراسية، وإجراء البحوث التطبيقية، وإنشاء حاضنات لريادة الأعمال الاجتماعية، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع. كما ينبغي أن تتحول مؤسسات المجتمع المدني من مجرد مقدمي خدمات إلى مؤسسات منتجة للتنمية، تعتمد على التخطيط العلمي، وقياس الأثر، والاستدامة المالية، والشراكات الفاعلة.

ومن الضروري أيضًا إطلاق برامج قومية لبناء قدرات الشباب والمرأة في مجالات إدارة المشروعات الاجتماعية، والابتكار المجتمعي، والتسويق الرقمي، والاقتصاد الأخضر، بما يسهم في خلق فرص عمل مستدامة، خاصة في المناطق الريفية والأكثر احتياجًا.

إنني أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب إصدار استراتيجية وطنية للاقتصاد التضامني في مصر، تتضمن إطارًا تشريعيًا واضحًا، وحوافز استثمارية للمشروعات الاجتماعية، وآليات تمويل مبتكرة، ومنظومة وطنية لقياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي، بما يضمن تعظيم مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد الوطني.
وفي الختام، فإن الاقتصاد التضامني ليس مجرد مفهوم اقتصادي حديث، بل هو مشروع حضاري يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، ويؤكد أن التنمية الحقيقية لا تُبنى على تراكم الثروة وحدها، وإنما على توسيع دائرة المشاركة، وتعزيز قيم التعاون، وتحويل كل مواطن إلى شريك في صناعة المستقبل. وإذا كانت الجمهورية الجديدة تنطلق برؤية طموحة لبناء دولة عصرية قوية، فإن الاقتصاد التضامني يمثل أحد أهم الأدوات القادرة على ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ينعكس على حياة المواطنين، ويؤسس لاقتصاد أكثر عدالة، ومجتمع أكثر تماسكًا، ووطن أكثر ازدهارًا.



اخبار مرتبطة