«لقد مرَّ يومان على مصر…» ، ما زالت هذه الجملة عالقة في ذاكرتي منذ كنت تلميذًا في الصف الرابع الابتدائي عام 1993، حين كان درس اللغة العربية بعنوان «نصر أكتوبر».
لم أكن وقتها أدرك أنني أقرأ مجرد درس في كتاب مدرسي؛ فقد كان الكاتب يأخذنا من مرارة الخامس من يونيو 1967 إلى فرحة السادس من أكتوبر 1973، وكأنه يزرع في عقولنا الصغيرة رسالة ستبقى معنا العمر كله:مصر قد تتعثر… لكنها لا تنكسر. قد تمرض… لكنها لا تموت.
بين اليومين ست سنوات لم تكن مجرد زمن، بل كانت رحلة وطن من الجرح إلى النصر، ومن الانكسار إلى استعادة الثقة.
في 5 يونيو 1967 غابت شمس مصر، وحلّت مرارة الهزيمة، لكن الهزيمة لم تكن نهاية الحكاية. بدأ الجيش يعيد بناء نفسه، وخاضت مصر حرب الاستنزاف، وبدأت سنوات طويلة من التدريب والإعداد والتضحية، حتى جاء الموعد.
6 أكتوبر 1973… العاشر من رمضان.
عند الثانية ظهرًا، دوّى صوت العبور، وعبرت القوات المصرية قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ مصر.. لم يكن العبور مجرد عبور قناة، بل كان عبورًا من الهزيمة إلى النصر، ومن الانكسار إلى الكرامة، ومن سؤال «هل نستطيع؟» إلى إجابة مدوية: نعم… نستطيع.. ولهذا، حين يأتي أكتوبر كل عام، لا نستعيد ذكرى معركة عسكرية فحسب؛ بل نستعيد ذاكرة وطن.
نتذكر الشهداء الذين دفعوا أرواحهم ثمنًا للحرية، والجنود الذين عبروا تحت النار، والأمهات اللاتي انتظرن أبناءهن، ونتذكر تلك الأغاني الوطنية التي ما زالت، بعد أكثر من نصف قرن، قادرة على أن تحرك في داخلنا شيئًا عميقًا؛ فتنتفض المشاعر، ويقشعر البدن، ونشعر وكأن صيحة العبور ما زالت تتردد في وجداننا.
أكتوبر ليس مجرد تاريخ… إنه حالة مصرية.
رسالة تقول لكل جيل: لا تجعل الهزيمة نهاية قصتك. انهض، وأعد بناء نفسك، وحوّل الألم إلى قوة.
ومن هنا تبدأ حكاية الحاضر ، فإذا كان جيل أكتوبر قد واجه تحدياته بالعلم والتخطيط والتدريب والصبر والإرادة، فإن واجبنا اليوم أن نواجه تحديات زماننا بالعقل نفسه والروح نفسها.
فالأوطان لا تُبنى بالذكريات وحدها، ولا تعيش على أمجاد الماضي؛ وإنما تبقى قوية حين يحوّل أبناؤها دروس الماضي إلى عمل في الحاضر، وأمل في المستقبل.
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأكتوبر ليس أن نتذكره يومًا في العام، وإنما أن نحمل روحه كل يوم:
أن نؤمن بأن المستحيل يمكن تجاوزه، وأن العمل يصنع الفارق، وأن العلم قوة، وأن الإخلاص للوطن ليس شعارًا نردده، بل مسؤولية نمارسها في مواقعنا كافة.
فمصر التي استطاعت بالأمس أن تعبر من الهزيمة إلى النصر، قادرة اليوم، بإرادة أبنائها، أن تعبر كل تحدياتها نحو مستقبل يليق بتاريخها.
وهكذا يظل أكتوبر حيًّا فينا ، ليس لأنه حدثٌ مضى، بل لأنه درسٌ لا ينبغي أن يمضي.
يومان في عمر مصر ، يوم غابت فيه الشمس ،ويوم أشرقت من جديد ، وبينهما حكاية وطنٍ رفض أن ينكسر.
رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ مصر وشعبها وجيشها، وظلت رايتها دائمًا مرفوعة.
كل عام ومصر عزيزة… قوية… مرفوعة الرأس تحيا مصر تحيا مصر تحيا مصر
…………..
د.أشرف رضا محمد
مدرس المناهج وطرق التدريس

