دائماً نسمع هذه التوصية ” ضرورة ربط التخصصات الجامعية بسوق العمل ” والحقيقة أن هذه التوصية قد تناسب كل التخصصات ماعدا تخصصات كلية الآداب ، لأنها لم تنشأ لخدمة اقتصادية بحتة ، ولا يوجد في أي سوق عمل محلي أو عالمي وظائف مثل : فيلسوف – ناقد – أديب – مفكر – باحث اجتماع – مؤرخ.. الخ لكنها وجدت لهدف أسمى وأرقي وهو المساهمة في نهضة المجتمع فكرياً وذوقياً وأدبياً ، ومحاربة الأمراض الفكرية التي تهاجم مجتمع ما في فترات الفراغ الثقافي وإذابة الجمود الفكري والتعصب والمحافظة على لغته الأم من الضياع ، وأن ترتقي بالذوق العام عندما يهبط أو ينحرف . الآداب خلقت ليعرف المثقف كيف يحافظ على هويته ويحترم الاختلاف ، وهي الكلية التي يقع على عاتقها انتاج الأدب وصياغة النظريات الفلسفية وتصحيح ومراجعة تاريخ الشعوب والحضارات .
الأزمة هنا أن الكلية تخلت عن وظيفتها الرئيسية التي كانت تمتاز بها في الماضي ،عندما كانت مصدراً للقوة الناعمة فأصبح هناك شعور بأن الكلية بلا وظيفة تذكر فأصبحت الأزمة مزدوجة (بطالة خريجين + ثقافة هشة) ، عندما تزور كليات الآداب في جامعات مصر اليوم وتتحدث مع طلابها ستجد انهيار تام في المستوى الثقافي فكيف ننتظر منهم أن يعيدوا أمجاد الماضي أو نأمن الثقافة معهم باعتبارهم المسؤولين عن نشرها وهم عاجزين في الأساس عن تثقيف أنفسهم. فالمقارنة صعبة بين ماضي الآداب وحاضرها والشاهد على ذلك الإنتاج الفكري والأدبي لشخصيات تخرجت من الكلية في الحقبة الملكية والناصرية شخصيات غيرت وشكلت واقعهم الثقافي وتركوا بصمات مازال تأثيرها مستمر لليوم مثل ( طه حسين ، نجيب محفوظ ، عبد الرحمن بدوي ، جمال حمدان ، أنيس منصور ، أسامه أنور عكاشة ، محمود أبو زيد ، مراد وهبه ، ذكي نجيب محمود ..الخ ) هؤلاء خريجو كلية الآداب انتجوا من الفكر والأدب والاجتماع والفلسفة سواء من آداب القاهرة أو عين شمس ما عجزت كليات الآداب أن تنتجه بجميع خريجيها وأساتذتها في 28 جامعة منذ أربعة عقود ؟!
لم تعد العلاقة بين كلية الآداب والابداع الأدبي كما كانت .. فما السبب ؟؟
اقترن اسم ألمع الأدباء المصريين بكلية الآداب ، تلك الأسماء ممتدة عبر القرن العشرين منذ أن حصل الطالب طه حسين علي أول درجة دكتوراه من كلية الآداب جامعة القاهرة سنة 1914
– هل تهميش قسم الفلسفة في كليات الآداب بالجامعات المصرية سبباً ؟
من الممكن أن يكون الإنسان فيلسوفاً وأديباً في نفس الوقت ، بل إن كل صاحب أدب هو صاحب فلسفة ..ودليلي على ذلك الدكتور ذكي نجيب محمود أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة عندما تقرأ له لا تعرف هل أنت تقرأ فلسفة أم أدب لذلك لقب ب ” أديب الفلاسفة ” .
كما أن المصري الوحيد الحائز على جائزة نوبل في الأدب هو نجيب محفوظ وهو خريج قسم الفلسفة وليس قسم اللغة العربية ، وهو صاحب الثلاثية الواقعية (بين القصرين، قصر الشوق ، السكرية) وتجسدت فلسفته الروائية أكثر في قلب الليل وحديث الصباح والمساء وأولاد حارتنا .
وتعد أشهر ثلاثية فلسفية في تاريخ السينما المصرية للسيناريست محمود أبوزيد (الكيف ، العار، جري الوحوش) وهذا الكاتب أيضاً خريج قسم الفلسفة..
كما أن عميد الدراما العربية الذي كتب أشهر كلاسيكيات الدراما المصرية (الشهد والدموع ، ليالي الحلمية ، أرابيسك ، زيزينيا ، الحب وأشياء أخرى ..) وكتب للسينما فيلم مهم لأي أسرة مصرية “دماء على الأسفلت “ هو أيضاً خريج قسم الدراسات النفسية والفلسفية جامعة عين شمس .
أما الاديب الذي كتب أكثر من غيره هو أنيس منصور خريج قسم الفلسفة فقد كتب في كل شيء (التاريخ، الأدب بكل فروعه، السياسة، الفن ، الاجتماع ..هو ظاهرة لن تتكرر في أسلوبه الفريد السهل الممتنع والعميق المشوق ..وقدم 8 أعمال فنية ما بين السينما والدراما .
انهار النص الادبي نتيجة مباشرة لانهيار الفلسفة وتهميش دورها حتى أصبح قسم الفلسفة في كليات الآداب هو أدنى أقسام الكلية في درجات القبول فمن يعجز عن دخول أقسام الكلية الأخرى لا يتاح له سوى قسم الفلسفة فالالتحاق به بلا شروط و معظم طلابه مجبرين عليه حتى اقترن اسمه بالبطالة والسطحية بعدما كان قسم المبدعين والنقاد وأصحاب النظريات الفكرية.
وعندما قلت أنه يمكن أن ينبثق من أقسام كلية الآداب نصف جامعة بأكملها لم أكن أبالغ ، فهناك العديد من الكليات المستقلة والتي هي في الأساس أقسام داخل كلية الآداب :
قسم اللغة العربية وآدابها واللغات الشرقية وآدابها ( كلية اللغة العربية – كلية دار العلوم)
قسم اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية الأخرى ( كلية الألسن ، كلية اللغات والترجمة ، المعاهد اللغوية والصوتيات )
قسم الآثار والتاريخ (كلية الآثار والإرشاد السياحي )
قسم الاعلام والصحافة والمكتبات (كلية الإعلام )
قسم علم النفس وعلم الاجتماع (معاهد الخدمة الاجتماعية والطب النفسي والأقسام التربوية القائمة عليها مناهج كليات التربية بمختلف مسمياتها وفروعها فيما يسمي ” العلوم التربوية ” القائمة علي منهج فروع علم النفس في الأساس .
قسم الفلسفة والمنطق ( الأساس لأي منهج علمي هذا القسم هو عقل الجامعة والذي يجب أن يخرج من عزلته ليتعمق فيه كل الطلاب بالجامعات المصرية مع التخصص الرئيسي .
وأخيراً قسم الجغرافيا ( معاهد المساحة ، ونظم المعلومات الجغرافية والدراسات المتعلقة بالمناخ والتخطيط الإقليمي )
وهناك أقسام أخرى تدرس في الكلية مثل المسرح والأدب والنقد وهذا من شأنه أن يدخل ضمن إطار معاهد التمثيل مثل المعهد العالي للفنون المسرحية والفنون بصفة عامة الأقرب لكلية الآداب، والتي ترادف كلمة فنون باللغة الأجنبية ARTS.
ختاماً من يطالب بإلغاء العلوم الإنسانية من الجامعات المصرية بحجة أنها لا تتوافق مع سوق العمل يجهل وظيفة الجامعة ، فلا يمكن أن تكون الجامعة مجرد متغير تابع للسوق ولكنها في الأساس في البلاد المتقدمة هي من تخلق أسواق جديدة ، تخلق مهن جديدة وتلغي مهن أخرى والاقتصاد الرقمي نموذجاً لكونه خرج نتيجة الأبحاث والتجارب العلمية التي أنتجتها الجامعات الغربية ، ومن هنا فإن العلاقة السليمة بين الجامعة وسوق العمل لا ينبغي أن تقوم على إخضاع المعرفة للطلب الاقتصادي الآني، بل على بناء نموذج تنموي يجعل من العلم والبحث العلمي والتكنولوجيا قوة دافعة لتوسيع الاقتصاد الوطني وخلق قطاعات إنتاجية جديدة قادرة على استيعاب مختلف التخصصات العلمية والإنسانية على السواء.
والأهم من ذلك أن البطالة في مصر لا تقتصر على خريجي العلوم الإنسانية أو الكليات النظرية كما يروج الخطاب الشائع، بل تمتد أيضا إلى قطاعات يفترض تقليديا أنها “مرتبطة بسوق العمل”، مثل: الهندسة/ الصيدلة / التعليم الفني/ بعض التخصصات الطبية / التخصصات الزراعية والصناعية. فالفكرة ليست في نوع التخصص بل في نوعية المهارات التي يحصل عليها المتعلم.
