جحا… والمرآة السوداء
كان يا ما كان…جلس ابن جحا صامتاً، يقلب صفحات هاتفه بعينين حزينتين. لاحظ جحا ذلك، فاقترب منه وسأله: “ما بك يا بني؟”…تنهد الابن وقال: “كل من حولي يعيش حياة أجمل مني… هذا يسافر كل شهر، وذاك اشترى سيارة جديدة، وآخر يحتفل بنجاحه كل يوم… أما أنا، فلا أملك شيئاً”.
ابتسم جحا، وأخذه إلى غرفة صغيرة في المنزل، ووضع أمامه مرآة قديمة غطى نصفها بالسواد. نظر الابن إليها وقال متعجباً: “لا أرى وجهي بوضوح”. قال جحا: “وماذا ترى؟”… قال: “أرى السواد أكثر مما أرى نفسي”.
قال جحا: “وهذا ما تفعله بك بعض شاشات الهواتف”. تعجب الابن وقال: “كيف؟”… أجاب جحا: “عندما تنظر إلى حياة الآخرين طوال الوقت… تنسى أن تنظر إلى حياتك”. وفي تلك اللحظة… اقترب الحمار، ونظر إلى المرآة، ثم قال مبتسماً: “أنا لا أفهمكم… كل واحد ينظر إلى عشب جاره، وينسى أن يأكل العشب الذي أمامه!”
ضحك جحا وقال: “ولهذا يا صديقي… بقيت مرتاح البال”. جلس الابن يفكر قليلاً، ثم قال: “لكن الصور حقيقية”. قال جحا: “قد تكون الصورة حقيقية…لكنها لا تحكي القصة كلها. فالناس تنشر لحظات النجاح…ولا تنشر ساعات التعب. تنشر الابتسامة…ولا تنشر الدموع. تنشر ما تريدك أن تراه…وليس دائماً ما تعيشه”.
سكت الابن، ثم أغلق هاتفه. وقال: “ربما كنت أقارن يومي العادي… بلحظات استثنائية يعيشها الآخرون”. ابتسم جحا وقال: “ومن يقارن بدايته… بنهاية غيره…سيظل يشعر أنه متأخر”.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي…أصبحت المنصات الرقمية قادرة على اقتراح المحتوى الذي يجذب الانتباه، وتظهر للمستخدم باستمرار صوراً وفيديوهات تبدو مثالية، وقد تكون معدلة أو منتقاة بعناية. ومع كثرة المقارنات، قد يظن البعض أن السعادة يعيشها الآخرون وحدهم، بينما الحقيقة أن لكل إنسان تحدياته التي لا تظهر على الشاشة. لذلك، لا تجعل شاشة الهاتف مرآةً تقيس بها قيمتك، ولا تسمح لما تراه في دقائق أن يهدم ما بنيته في سنوات.
حكمة جحا:
“من انشغل بالنظر إلى حياة الآخرين… نسي أن يصنع حياته هو”.

