في حكم قضائي تاريخي يرسخ ضمانات المحاكمة العادلة، حسمت الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض الخلاف الفقهي والقضائي حول مدى وجوب استطلاع رأي فضيلة مفتي الجمهورية أمام محاكم الجنايات المستأنفة قبل إصدار أحكام الإعدام.
وقضت الهيئة، في الطعن رقم 2366 لسنة 96 القضائية بجلسة الأربعاء 21 أكتوبر 2026، بإقرار الأحكام التي أوجبت على محاكم الجنايات بدرجتها الاستئنافية أخذ رأي المفتي قبل إصدار حكم الإعدام، مؤكدة أن سبق اتخاذ هذا الإجراء أمام محكمة أول درجة لا يُغني عن إعادته مجددًا.
أسباب الخلاف القانوني حول استطلاع رأي المفتي
يعود أصل الخلاف القضائي إلى تفسير الفقرة الثانية من المادة 381 من قانون الإجراءات الجنائية بعد تعديلها؛ حيث انقسمت الآراء إلى اتجاهين:
-
الاتجاه الأول: رأى ضرورة إعادة استطلاع رأي المفتي أمام المحكمة الاستئنافية باعتبارها هيئة قضائية جديدة بتشكيل مغاير، تسمع المرافعة من جديد وتطرح أمامها الدعوى برمتها.
-
الاتجاه الثاني: اكتفى باتخاذ الإجراء أمام محكمة أول درجة، على سند أن الملف معروض بالفعل على الاستئناف وأن تأييد الحكم لا يُعد قضاءً جديدًا بالإعدام.
حيثيات حكم محكمة النقض وإرادة المشرع
فصلت الهيئة العامة للمواد الجنائية بين الاتجاهين مؤكدة أن عبارة النص التشريعي جاءت صريحة وواضحة لا تحتمل التفسير أو التأويل؛ حيث أوجب القانون على محاكم الجنايات بدرجتيها أخذ رأي المفتي قبل القضاء بعقوبة الإعدام.
واستشهدت المحكمة بمناقشات مجلس النواب في جلستي 15 و16 يناير 2024، والتي شهدت رفض البرلمان لاقتراح الحكومة بقصر هذا الإجراء على محكمة أول درجة فقط (إلا إذا كان الحكم بالإعدام بناءً على استئناف النيابة العامة).
وأوضحت الهيئة أن استئناف الدعوى—ولو من المتهم بمفرده—يعيد طرح القضية برمتها، مما يتطلب كفالة جميع الضمانات القانونية أمام المحكمة الاستئنافية، وفي مقدمتها استطلاع رأي الشريعة الإسلامية لطمأنة المتهم والرأي العام على حد سواء.
تأكيد ضمانات المحاكمة العادلة ونظام التقاضي على درجتين
أكد الحكم أن جسامة العقوبة وكونها غير قابلة للتدارك تفرضان احترامًا صارمًا للضمانات الإجرائية، مشيرة إلى أن استطلاع رأي المفتي—وإن كان غير ملزم للقاضي في تقدير العقوبة—إلا أن إعادة طرح مستجدات المرافعة عليه توفر أقصى درجات الاطمئنان لحرمة الدماء وعدالة القضاء المصري.
وشددت الهيئة على أن تطبيقه لنظام التقاضي على درجتين لا يعني مجرد استعراض شكلي للدعوى أمام محكمة أخرى، بل يوجب استقلال كل درجة ببحث دقائق القضية وكفالة الضمانات المقررة كاملة قبل إصدار الأحكام.

