رباب نبهان تكتب: لون رمادي.. جوستينج

العالم الآنالعالم الآن 22, سبتمبر 2026 07:09:02

ولكنني أحببت، ولأول مرة في حياتي، إشارة المرور، وعشقت الانتظار حين نظرت حولي، فإذا بسيارة رمادية اللون، وما أكثرها، ولكنني أعرفها، وأكاد أميّز رائحتها من خلف زجاجها الموصد. حتمًا هو سائقها، ومالكها، ومالك قلبٍ قد اكتوى وذاب من فرط البحث عنه.

وطالما أوقعتني نفسي في خداع بصري ومواقف محرجة ومحبطّة، فآثرت السلامة، ولم أتصرف كعادتي تصرفًا أحمق؛ فتشبثت يدي بالطارة ولم أتحرك. فإذا به يلتفت وينظر إليّ ويبتسم، ويترجل من سيارته ويتقدم نحوي.

جلسنا، وظن من رآنا أننا نفقد النطق، أو أن كلينا قد ابتلع لسانه. وعلا صوت الصمت، وإن كان يحمل من الكلمات ما يكفي لملء مجلدات من روايات العشاق، ولم يكفِ، أو يشفِ، في قلبي قدر الولع والإشتياق، ولم يشفِ الحيرة والتساؤلات. واستجمعت نفسي بالكاد، وأفرجت عن الكلمات الحبيسة في صدري منذ سنة وشهرين وستة أيام.

أين كنت؟ ولماذا ذهبت؟ ولما تركتني دون استئذان؟ أجبني، ولا تقل صدقًا. لا أبحث عن صدقٍ يرهقني، بل عن كذبٍ يرضيني.

وحمدت ربي أنه ظل صامتًا؛ فيقيني أنني لن أجد في حديثه ما يشفيني، فعاجلته، وقررت أن أُسرّب له الإجابات، وأخذت أعدّد الاحتمالات، وأعوّل على نفسي كمًّا من الاتهامات.

أنا أعلم أنني كنت أثقلك بهمي، وكم كنت كثيرة الغيرة والشكوى، ولم أراعِ مكانتي التي حصلت عليها بشق الأنفس، وأنا التي أعلم جيدًا أنني لم أكن أستحق أكثر منها، بعد أن وصلت إلى حياتك متأخرة، وقد سبقني الجميع، واتخذوا من الأماكن أقربها.

أعذرني وسامحني، وأعدك بأنني قد تعلمت الدرس جيدًا، ولم تزد القسوة وألم البعاد سوى عشقًا.

أرجوك، قل لي إن الاشتياق قد بلغك، ونال منك الحنين، وإن لقاءنا لم يكن صدفة لم تكن تبغاها.

– يبدو أنك لم تتعلمي الدرس بعد، ونسيتِ أنني لا أسمح للأقدار بأن تسوقني، ولا للصدف بأن تهديني.

كم من الرعونة والطيش أحمل، وكدت أضيّع فرصة عمري! فقد جاء بمحض إرادته، ورتّب اللقاء. ولا يهم أنه قد غاب شهورًا، بل الأهم أنه قد جاء.

– هلّا تعدني بأن تبقى؟

– لن أعدك، فأنا لم أرحل.

– ولكنك…

– ولكنك تتعجلين كعادتك، وتصنعين من الأوهام حقيقة، وقد خُيّل إليكِ البعاد، ورأيتكِ استعذبتِ الفراق، فتحملتُ أنا مشاقَّه حتى تسعدي بلذته.

أعترف أنني لم أعِ مبرراته، لكنني سعدت بأنني ما زلت أحظى بحق التفسير والتبرير.

جاء النادل الآن في وقته، ووضع فناجين القهوة التي أشربها مثلما يشربها بلا سكر، فلا شيء يحلو ريقي سواه. ولأول مرة تمتد يدي إلى كوب الماء، فصرت أرتشف حتى ظننت أنني ارتويت، ولم يكن يرويني سوى النظر إلى مقلتيه، حتى انسكب الماء على ملابسي. فناولني منديلًا، فبادرت بأن أقبض عليه حتى ألمس يده. فما زالت نفسي اللعينة تراودني، حتى لمست النبض في يده، فاستبشرت خيرًا وضحكت.

لا فائدة من عتاب بعد طول الهوى، وليس لدي الآن أهم من تلك اللحظة وما هو قادم. دعنا ننظر إلى الغد الذي لا يأتي دونك. ارجع معي. عُد إلى الحياة التي كنا نحياها سويًا. لا تستقيم الدنيا، وتعرج الأيام، دون أن أتنفس هواك. عُد، واسمح للهواء بأن يدخل رئتيّ بسلام ودون عناء. عُد إليّ، وأعد لي الحياة.

رن هاتفه، ورأيت وجهه حين ارتبك، ثم سحب هاتفه بعيدًا، وأنا أجاهد بكل ما فيَّ ألّا تخطو قدماي خلفه. وقف بعيدًا، ولكنني اعتدت البعاد، فانتظرت حتى عاد. ودون أن ينظر إلى وجهي، بدأ يلملم أشياءه في عجالة، ويعيد النظر إلى هاتفه، كما لو كان لا يرى سواه، ورمى إليَّ من الكلمات يسيرًا. لم ترتقِ إلى حد الوعد، حتى وإن كان وعدًا مبتورًا، وطلب مني أن أتكفّل بدفع الحساب؛ فلا وقت لديه لانتظار النادل حتى يأتي.

وأصابني الخرس من جديد، ولم أنبس بكلمة واحدة. واستدعيت عقلي حتى يجيب، فلم أجده، ولم أجد سوى كشف الحساب. فلم أعِ أيَّ حسابٍ عليَّ أن أدفع؛ ثمن فناجين القهوة، أم عمري الذي ينفرط من يدي؟

وبرعشة رآها النادل في يدي، دفعت الحساب، وأمسكت بهاتفي، وطلبته لأسمع عذرًا جديدًا يحيينى. ولكنها، من المؤكد، حماقة شركات الاتصالات هي السبب؛ فتكاتفت عليَّ الشبكات ولم تسعفني. وعاودت الاتصالات بنفس اليد المرتعشة. ربما هي من تحجبني عنه، وربما اختلطت عليَّ الأرقام، ولكنه اسمه، ورقمه، وهاتفه الذي يحفظه قلبي.

وبعد محاولات عدة، عاد عقلي الذي غاب وأخبرني:

«هذا الرقم غير مسموح لك بالاتصال به، فقد أغلق عليك الاتصال ووضعك في قائمة المحظورين.»

لقد حظرني…

هل هذا هو الجوستينج الذي يقولون عنه، وقد اعترف به علم النفس الحديث، ولم يعترف به قلبي؟

يغيب، ويعود، ويظهر، ويختفي دون استئذان، وأجلس أنا لأحاكم نفسي وأعذبها؛ فهي حتمًا من قصّرت، وتعثرت في البحث عنه، وحين ظهر تبعثرت ولم تعرف كيف تُبقيه

إلى أن يعود، سوف أعلّمها كيف تُحكم القبضة على يده، وكيف ترضيه، وكيف تستبقيه… بس هو يرجع


#إشارة مرور #الانتظار #جوستينج #رباب نبهان تكتب #رمادي #سيارة #عشقت #لون رمادي

اخبار مرتبطة