حين يغيب الشباب عن صناعة المستقبل، تتقدم الأوطان ببطء… وحين يصبحون شركاء في القرار، تتسارع خطوات التنمية، ويتحول الحلم إلى إنجاز، والطموح إلى واقع. فالتاريخ لم يكتب نهضة أمة إلا وكان الشباب في مقدمة صفوفها، ولم تبنِ دولة قوية مستقبلها بالموارد وحدها، بل بعقول أبنائها وإيمانهم بأن لهم دوراً حقيقياً في رسم الغد.
وفي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بحجم اقتصادها أو بما تمتلكه من جيوش، بل أصبحت تقاس بقدرتها على استثمار أهم ثروة تملكها؛ الإنسان. وعلى رأس هذه الثروة يأتي الشباب، باعتبارهم القوة الأكثر قدرة على الابتكار، والأسرع في استيعاب المتغيرات، والأقدر على تحويل التحديات إلى فرص. لذلك لم يعد إشراك الشباب في صناعة القرار خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية واستثماراً استراتيجياً في أمن الدولة ومستقبلها.
ليست المشكلة في قدرات الشباب، فكل جيل يحمل بين يديه فرصاً غير مسبوقة، وإنما تكمن القضية في كيفية توجيه هذه القدرات نحو خدمة الوطن. فالعقول الشابة قادرة على الابتكار، وصناعة الحلول، ومواكبة التحولات العالمية، متى وجدت بيئة تؤمن بها وتمنحها الفرصة. ولذلك فإن الدول التي تراهن على شبابها لا تنظر إليهم باعتبارهم مرحلة عمرية، بل باعتبارهم رأس مال وطنياً، والاستثمار الأكثر عائداً على مستقبلها.
ولأن طبيعة جيل الشباب تختلف عن غيره، فإن أساليب التعامل التقليدية لم تعد كافية. فالشباب اليوم لا يكتفي بسماع الخطاب، بل يبحث عن تفسيره، ولا يقبل القرارات لمجرد صدورها، بل يريد أن يفهم دوافعها، ويشعر بأنه جزء من صناعتها. إنه جيل يؤمن بالحوار أكثر من التلقين، وبالإقناع أكثر من الأوامر، ويرى أن احترام عقله هو الطريق الحقيقي إلى كسب ثقته.
ومن هنا تتجلى أهمية المشاركة السياسية بمعناها الواسع، فهي ليست مجرد ممارسة انتخابية أو منافسة على المناصب، وإنما عملية مستمرة لصناعة الوعي، وترسيخ الانتماء، وتحمل المسؤولية، والمساهمة في صياغة السياسات العامة. فعندما يشعر الشاب بأن صوته مسموع، وأن أفكاره تجد من يناقشها ويطورها، يتحول من مراقب للأحداث إلى شريك في صناعة المستقبل.

ولعل التجارب الدولية تقدم شواهد واضحة على ذلك. فقد أدركت سنغافورة منذ عقود أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، فوجهت جهودها نحو التعليم النوعي، وبناء القيادات الشابة، وإعداد كوادر قادرة على إدارة الدولة بكفاءة، فتحولت في فترة وجيزة إلى واحدة من أكثر الدول تقدماً وتنافسية. وفي كوريا الجنوبية، كان الشباب قلب النهضة الصناعية والتكنولوجية، بعد أن أتيحت لهم بيئة تشجع على الابتكار والعمل والإبداع. أما دول شمال أوروبا، فقد جعلت مشاركة الشباب في المجالس المحلية، والعمل التطوعي، والأحزاب، جزءاً من الثقافة المجتمعية، فانعكس ذلك على استقرارها السياسي وتماسكها الاجتماعي.
غير أن إشراك الشباب لا يتحقق بمجرد الدعوة إليه، بل يبدأ بتصحيح المفاهيم التي تعرضت للتشويه في ظل الفضاء الرقمي المفتوح. فقد اختزل البعض السياسة في الصدام والانقسام، وربطها بالكراهية والفوضى، بينما السياسة في جوهرها هي فن إدارة الدولة، وتحقيق المصلحة العامة، وصناعة التوازن بين الحقوق والواجبات. كما حاولت بعض المنصات إقناع الشباب بأن الهدم أسرع من البناء، وأن التشكيك أكثر تأثيراً من العمل، بينما تثبت تجارب الأمم أن التنمية لا يصنعها إلا الوعي، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الفكرة قبل القرار.
لهذا أصبح من الضروري أن يتطور الخطاب الموجه إلى الشباب، ليصبح أكثر قرباً من واقعهم، وأكثر قدرة على مخاطبة عقولهم. خطاب يشرح لهم معنى الدولة، وأهمية الاستقرار، وقيمة المؤسسات، وكيف يمكن لشائعة أو معلومة مضللة أن تتحول إلى تهديد حقيقي للأمن المجتمعي، وكيف تصبح الكلمة في العصر الرقمي أحياناً أخطر من أي سلاح. فالشاب الواعي لا يرفض النقد، لكنه يميز بين النقد الذي يبني، والتحريض الذي يهدم، وبين الاختلاف المشروع، ومحاولات الاستغلال والتوجيه.
وفي الوقت ذاته، لا يكفي الحديث عن المشاركة من دون توفير مسارات حقيقية لها. فالشباب يحتاج إلى منصات تتيح له التعبير، ومؤسسات تستمع إليه، وبرامج تصقل مهاراته، وتجارب عملية تمنحه الثقة في قدرته على الإنجاز. ومن هنا تتعاظم أدوار الجامعات، ومراكز الشباب، والعمل التطوعي، والمبادرات المجتمعية، وحاضنات الابتكار، وبرامج إعداد القيادات، باعتبارها مدارس حقيقية لإعداد المواطن القادر على تحمل المسؤولية.
كما أن بناء الثقة بين الدولة والشباب لا يعتمد فقط على توفير فرص العمل، بل يمتد إلى ترسيخ قيم العدالة، وتكافؤ الفرص، والشفافية، والاعتراف بالكفاءة. فكلما شعر الشاب بأن اجتهاده يقدر، وأن مستقبله يصنعه علمه وعمله، ازداد ارتباطه بوطنه، وأصبح أكثر استعداداً للدفاع عنه والمشاركة في تقدمه. أما الإحباط وفقدان الأمل، فهما البيئة الأكثر خصوبة لتراجع الانتماء واتساع الفجوة بين الأجيال.
إن جيل الألفية و«زد» ليس عبئاً على الدولة كما يصوره البعض، بل يمثل أكبر فرصة تمتلكها الأوطان في القرن الحادي والعشرين. إنه الجيل الأكثر إلماماً بالتكنولوجيا، والأسرع في اكتساب المهارات، والأوسع اتصالاً بالعالم، والأقدر على الابتكار وإنتاج الأفكار الجديدة. وما يحتاجه فقط هو رؤية تؤمن بإمكاناته، ومؤسسات تمنحه المساحة، ومجتمع يثق في قدرته على الإنجاز.
فالأوطان العظيمة لا تصنعها الموارد وحدها، ولا تحرسها الحدود فقط، بل يبنيها شباب يؤمن أن له مكانًا على طاولة القرار، وأن صوته يصنع الفرق، وأن مستقبله يبدأ من وطنه، لأن الدولة التي تجعل شبابها شركاء في القرار، تضمن أن يبقى مستقبلها دائماً في أيد قادرة على صناعته.

