أخيرًا أدركت الحكومة أهمية العودة إلى القرية المنتجة، واتخذت خطوات عملية، في إطار اجتماع ضم 5 وزارات هي: الزراعة واستصلاح الأراضي، والتنمية المحلية والبيئة، والتضامن الاجتماعي والصناعة، والتخطيط والتنمية الاقتصادية، لمناقشة الخطط التنفيذية والمستهدفات المرحلية لمبادرة “القرية المنتجة”، التي تستهدف تحويل القرى المصرية إلى وحدات إنتاجية مستدامة تسهم في دعم الاقتصاد القومي وتوفير فرص عمل للشباب والمرأة الريفية.
تم خلال الاجتماع استعراض محاور العمل المتكاملة للمبادرة، والتي تجمع بين التخطيط الاستراتيجي والتطوير الزراعي والتمكين الاجتماعي والنهوض الصناعي على مستوى الوحدات المحلية والقروية.
وركز الاجتماع على تنسيق الأدوار بين الوزارات المعنية، وتحديد الاختصاصات المنوطة بكل جهة لضمان عدم تداخل الاختصاصات، بالإضافة إلى بحث سبل الاستفادة من خبرات وقدرات القطاع الخاص باعتباره شريكًا أساسيًا في التنمية، فضلًا عن آليات تقديم حوافز تشجيعية للمستثمرين لتوجيه استثماراتهم نحو الريف المصري، وتوفير الدعم الفني واللوجستي اللازم لإنجاح المشروعات متناهية الصغر والصغيرة في هذه القرى.
لقد كانت القرية إلى زمن قريب مصدر الغذاء للمدينة من حيث الاعتماد الذاتي على غذائها وتصدير الفائض منها إلى المدينة. كانت أمهاتنا في الزمن الجميل يقمن بخبز العيش الشمسي في الفرن البلدي، وتربية الدواجن والبط والإوز في حوش البيت الريفي، وحلب الجاموسة أو البقرة التي لا غنى عنها في أي منزل ريفي، وتُعامل كأنها من أفراد البيت لأنها مصدر دخل للفلاح، يأخذ منها اللبن وينتج السمن والجبن ومشتقاته.
وكان لا يُوجد منزل إلا وبه قطعان من الأغنام والماعز وبعض المواشي التي تتغذى على البرسيم والتبن المنتج من زراعات القمح، ويُضاف إليها بعض الأعلاف، وتجد “الطبلية” تضم أفراد الأسرة على مائدة الطعام في سعادة لا تُقدّر.
كان الفلاح في البيت الريفي يستيقظ مع الفجر، يذهب إلى الحقل لإحضار البرسيم للمواشي، ويتفقد زراعاته ويرعاها، وتجد بيته مملوءًا بالخير، لا يحتاج إلى شراء شيء من السوق الكبير الذي كان يُقام مرة واحدة أسبوعيًا، سوى قليل من اللحم أو لبيع وشراء الطيور والماشية أو “كيلة” من القمح أو الذرة لتلبية مطالب الأبناء.
الآن انقلبت الآية بعد أن تفتتت الملكية الزراعية وتآكلت نتيجة إقامة المباني عليها، ودخلت القنوات الفضائية وأحدث أجهزة الموبايل، وافتتاح مخابز بلدية بالقرى، وتغيرت العادات والتقاليد، فأصبحت الأسرة تقضي معظم الليل أمام القنوات، واختفت الأفران البلدية وتربية الطيور والمواشي من البيوت، وحتى مجرد التفكير في أي مشروع إنتاج حيواني أو داجني.
أتمنى أن تتعاون الوزارات في التعامل مع الوضع الجديد للقرى، وأن تستطيع إعادة إحيائها كقرى منتجة عبر افتتاح حضانات نموذجية، وإنشاء مراكز تكنولوجية ووحدات إنتاجية لتعليم الحرف البيئية واليدوية، بما يوفر فرص العمل لسكانها خاصة السيدات، مع التركيز على بناء الإنسان لوقف نزيف الهجرة من الريف إلى المدن.
وأن تكون مبادرة “القرية المنتجة” انعكاسًا لرؤية الدولة في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، والانتقال بالريف المصري من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج والتصدير، تحت شعار “قرية واحدة، منتج واحد”، عبر التكامل بين الوزارات الخمس بما يضمن تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وتحقيق أقصى عائد تنموي للمواطن المصري خاصة في الريف.

