لم تعد أشجار المانجروف مجرد غطاء نباتي ينمو على أطراف السواحل المالحة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الأسلحة الطبيعية التي تراهن عليها دول العالم في معركة التغيرات المناخية، بفضل قدرتها الاستثنائية على امتصاص الكربون، وحماية السواحل، ودعم التنوع البيولوجي، وتعزيز الاقتصاد الأزرق.
وفي مصر، تتجه الأنظار بصورة متزايدة نحو غابات المانجروف المنتشرة على ساحل البحر الأحمر، باعتبارها موردًا بيئيًا واستراتيجيًا قادرًا على الجمع بين حماية الطبيعة ودعم التنمية المستدامة، وهو ما تعكسه الجهود التي تقودها جمعية «بيئة بلا حدود» من خلال مشروع «تخزين الكربون من خلال استزراع المانجروف في البحر الأحمر»، بالتعاون مع جهاز شئون البيئة.
ويستهدف المشروع استعادة النظم البيئية الساحلية، وتعزيز قدرتها على التكيف مع آثار تغير المناخ، إلى جانب دعم التنوع البيولوجي وتمكين المجتمعات المحلية، في نموذج يجسد توجهًا متناميًا نحو الاعتماد على الحلول القائمة على الطبيعة.
الكربون الأزرق.. قوة بيئية كامنة في السواحل
ويؤكد د . عادل عبدالله سليمان أن التوسع في استزراع المانجروف يمثل استثمارًا طويل الأجل في مستقبل البيئة المصرية، مشددًا على أن هذه الأشجار ليست مجرد غطاء نباتي، بل منظومة بيئية متكاملة تدعم التنوع البيولوجي، وتعزز قدرة السواحل على التكيف مع تغير المناخ، وتخدم توجهات الدولة نحو الاقتصاد الأخضر والأزرق المستدام.
المانجروف نموذج واعد يربط البيئة بالتنمية
ومن زاوية أوسع تربط بين البيئة والتنمية، يؤكد د. سيد خليفة نقيب الزراعيين، أن مشروع استزراع المانجروف على سواحل البحر الأحمر يمثل أحد النماذج الواعدة للمشروعات البيئية والتنموية التي تدعم جهود الدولة المصرية في مواجهة التغيرات المناخية وتعزيز الاقتصاد الأزرق وصون الموارد الطبيعية.
ويشير خليفة إلى أن المانجروف يُعد من أكثر النظم البيئية كفاءة في امتصاص وتخزين الكربون عبر آلية «الكربون الأزرق»، الأمر الذي يمنحه أهمية خاصة في خفض الانبعاثات والتكيف مع تداعيات تغير المناخ، فضلًا عن دوره في حماية الشواطئ من التآكل والعواصف وارتفاع منسوب سطح البحر.
لكن الأثر – بحسب نقيب الزراعيين – لا يقف عند حدود المناخ والبيئة؛ إذ يمتد إلى أبعاد اقتصادية وتنموية مهمة، تشمل حماية الموائل البحرية، ودعم الثروة السمكية، وخلق فرص عمل للمجتمعات المحلية، إلى جانب تعزيز أنشطة السياحة البيئية والاستثمار المستدام.
ويلفت إلى أن التجارب المنفذة في عدد من مناطق ساحل البحر الأحمر أظهرت نجاحًا ملحوظًا في معدلات نمو الأشجار المزروعة وقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية المحلية، بما انعكس على تحسين جودة البيئة الساحلية وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة النظم البحرية.
ويشدد خليفة على أهمية توسيع نطاق التعاون بين الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص لضمان التوسع في مشروعات المانجروف وتعظيم الاستفادة من إمكاناتها البيئية والاقتصادية، معتبرًا أن هذه المشروعات تمثل نموذجًا عمليًا يجمع بين حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
الوعي البيئي والعمل المشترك.. ركيزة لاستدامة المشروعات
وفي إطار تعزيز البعد التوعوي والمؤسسي، أطلقت جمعية «بيئة بلا حدود» بالتعاون مع جمعية «كتاب البيئة والتنمية» برنامجًا توعويًا موسعًا بمحافظة البحر الأحمر تحت عنوان «التوعية البيئية حول برامج الحفاظ على المانجروف وتعزيز برامج الحلول القائمة على الطبيعة في البحر الأحمر»، بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي للبيئة.
واشار د. محمود بكر رئيس جمعية «كتاب البيئة والتنمية»، أن التحديات البيئية الراهنة تتطلب تنسيقًا أكبر بين مختلف الكيانات والجمعيات البيئية العاملة في مصر، بما يسهم في توحيد الجهود، وتبادل الخبرات، وتنفيذ مشروعات ذات أثر ملموس على أرض الواقع.
ويؤكد بكر أن مشروع استزراع المانجروف يمثل نموذجًا ناجحًا للتعاون بين مؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية بالبيئة، نظرًا لما توفره هذه الأشجار من فوائد تتعلق بحماية السواحل، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وامتصاص الكربون، ودعم أهداف التنمية المستدامة.
ويضيف أن العمل البيئي لم يعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبح مسؤولية جماعية تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني، والخبراء، والإعلام البيئي، بما يساهم في رفع الوعي المجتمعي وتوسيع نطاق المبادرات الهادفة إلى حماية الموارد الطبيعية.
ويشكل البعد الميداني أحد العناصر المهمة في البرنامج، إذ تتيح زيارات مواقع استزراع المانجروف داخل محمية وادي الجمال، وخاصة بمنطقة «القلعان»، فرصة لفهم آليات إدارة هذا النظام البيئي على أرض الواقع، والوقوف على طبيعة التحديات والفرص المرتبطة باستعادة النظم الساحلية، بالتوازي مع إبراز دور المجتمعات المحلية كشريك رئيسي في حماية الموارد الطبيعية ودعم مسارات التنمية البيئية المستدامة.
وبين تحديات المناخ، وضغوط الموارد الطبيعية، والحاجة إلى نماذج تنموية أكثر استدامة، تبدو أشجار المانجروف على سواحل البحر الأحمر أكثر من مجرد نباتات ساحلية؛ فهي مخازن طبيعية للكربون، وحاضنات للتنوع البيولوجي، وخط دفاع بيئي يحمي السواحل، وفرصة واعدة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة عبر حلول تستند إلى قدرة النظم البيئية نفسها على حماية المستقبل.

