عاجل
الثلاثاء. يونيو 23rd, 2026

أسامة القاسم يكتب : كلاب العجم !

admin2023admin2023 27, نوفمبر 2025 14:11:09

 

ها أنا ذا أعودُ من رحلتي في أواخرِ نوفمبر، وما برحَتْ غُبارَةُ السَّفرِ على حَقِيبتي وقَمِيصي، حتى استقبلتني زوجتي كما اعتادَتْ.. مستبشرة بلقائي، حاملًة في يدها موعدًا..
وأي موعد؟
إنَّهُ في مركز التجميل بالحيِّ.. حيثُ تسكنُ أنوثةُ النساء!

فيا للجمالِ.. ما أشدَّ سطوتَكَ! سَطوَةٌ تَقتُلُ مرتين: إنْ أطعناها أهلكَتْ وقتَنا، وإنْ تثاقلنا أهلكَتْ راحتَنا.. ففي الأولى رِضًى مُكْتَسَبٌ بِثَمَنِ السَّعَة، وفي الثانية عَتْبٌ طويلٌ بِرِهانِ الفُرصَة.!

ولمَّا عدنا من ذلك الموعِدِ الذي ما كانَ لي في سِفْرِ أعمالي، مررتُ بركنٍ سماويٍّ يبيعُ القهوةَ.. فاشتريتُ كوبًا.. لأني لا أشربُ القهوةَ ليلًا!
واذ بي أرى العجب العُجاب! ها هو محلٌ يُدعى “ون ستيب”، ونافذة الطلب قد نُقش عليها “أوردر”! وعبارة طويلة في صدر المكان، كتبت بخط عريض، كأنها جدار يُقام في وجه اللغة، تقول: “يو نيد كوفي؟ أفكورس”!
فاستلمت طلبي.. وغادرت وقد اضطرم قلبي غضباً، وكاد وجهي يُشَجُّ بتلك الأقلام التي خطت هذه الفَضِيحة اللغوية.

ولكن زوجتي – حفظ الله غيرتها – لم تسمح لغضبي أن يكون غضب كاتبٍ غيور على لسانه، بل جعلته غضب زوجٍ مسافرٍ عن ديار فصاحته.. فقالت تلطِّفُ الجو: “لا عليك.. كلهم أصبحوا هكذا”! فازدادت غيرتي اشتعالاً، واشْتَاطَ الغضب في صدري.

فقلتُ لها بحَنَقِ المُتَأَلِّم:
أما علمتِ أن استقلال اللغة استقلال للذات؟! فإذا سمعت إنساناً يتكلّم بغير لغته من غير ضرورة، أو يَلْهَج بلهجةٍ غير لهجته من غير مناسبة، فلا يَخَالطك شكٌّ أنه ذاك في خلقه، وفي عقيدته، وفي تفكيره، وفي عمله!

أتدخل متجراً من المتاجر، أو مصرفاً من المصارف، أو شركة من الشركات، فلا تقرأ في الإعلانات إلا كتابة أعجمية، ولا تسمع في المحادثات إلا لساناً أجنبياً! وإذا حرصت أن تتكلم بالعربية، تضاءلت في عين مُخاطِبك، وصغُرت في نظر مَنْ تُحاوره!

والأدهى من ذلك.. أن تسمع الشباب والفتيات يتطارحون الحديث بالإنجليزية، فإذا شاركتهم بالعربية صَمُّوا آذانهم، وكأنك – بذلك – نَقَلْتَ الحديث الرَّفيع إلى حديث العامّة والسوقة! فتراهم في الملاعب والمشارب يتراطنون بلغةٍ مشوَّهة التأليف، بغيضة اللهجة!

وأما الذي يسافر للدراسة أو العمل.. فيخرج بلغةٍ ويَعُود بلسانٍ أعوج، وسمتٍ متذبذب، فيزاوج في الجملة بين العربية وغيرها.. وكأن العربية – في زعمه – قد عَجَزَتْ أمام اللسان المتدفق، والخيال السَّبَّاق، والمعاني الجذابة، عن أن تُسعِف العقل واللسان، وتُجاري البيان، وتُحدِّد الفكرة!

إنا – والله – أمام أزمة حقيقية.. فكل هذا يُشعرنا بالغُربة وسط الدار، وبالذلة بين المجتمع، وبالتبعية تحت العلم!

فلا بدَّ – إذاً – من تطهير شوائب العربية من هذه اللغات الدخيلة.. وما تريده العربية منا شيءٌ واحد تُلهمه العزة، وتمليه الكرامة.. فلغة المرء تاريخه وذاته وحقيقته!
فاللغة العربية ليست كباقي اللغات.. فاللغات الأجنبية تنقل بعض الأفراد إلى العلم.. ولكن اللغة العربية تنقل كل العلم إلى الأمة!
رحم الله حافظ إبراهيم.. شاعر النيل.. فقد كانت قصيدته التي نظمها في اللغة العربية أولَ قصيدة ألقيها.. وصارت – منذ سمعتها – دستوري الأدبي.. وكفى بها دستوراً!


#..الأوساط الأوروبية والأمريكية #أسامة القاسم يكتب :  كلاب العجم ! #العالم الآن الإخبارى alalamalan #حاملًة في يدها موعدًا.. #حتى استقبلتني زوجتي كما اعتادَتْ.. مستبشرة بلقائي #ها أنا ذا أعودُ من رحلتي في أواخرِ نوفمبر #وما برحَتْ غُبارَةُ السَّفرِ على حَقِيبتي وقَمِيصي

اخبار مرتبطة