مع قدوم الرءيس الصيني اليوم شي جين بينغ إلى مصر، تدخل العلاقات المصرية الصينية محطة جديدة، تتزامن مع احتفال البلدين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، في وقت تتسع فيه مجالات التعاون لتشمل الاستثمار والتجارة والطاقة والتكنولوجيا والتنمية المستدامة.
لكن بعيدًا عن مستوى العلاقات بين الدولتين، يظل السؤال الأهم: ماذا يمكن أن تعني هذه الشراكة للمواطن المصري؟ وماذا يمكن أن تحصل عليه المدن المصرية من هذه المرحلة الجديدة؟
في الإسكندرية، تبدو الإجابة واضحة في عدد من الملفات التي بدأت بالفعل تطرح نفسها على مائدة التعاون مع الجانب الصيني.
فزيارة السيدة شيوى مين، قنصل عام الصين بالإسكندرية، إلى ديوان عام المحافظة ولقاؤها بالمهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، حملت أكثر من مجرد طابع بروتوكولي، بعدما شهدت بحث فرص التعاون والاستثمار، وطرح ملفات ترتبط مباشرة باحتياجات المدينة ومستقبلها، من إنتاج الطاقة من المخلفات، وإنتاج الأسمدة، والهيدروجين الأخضر، إلى تحلية ومعالجة مياه البحر، إلى جانب التدريب والتبادل العلمي.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة لأنها لا تتعلق فقط بضخ استثمارات جديدة، وإنما بمشروعات يمكن أن تجمع بين الاستثمار وحل بعض التحديات التي تواجه الإسكندرية.
وهنا تبرز أهمية المقالات التي نشرتها القنصل العام شيوى مين خلال الفترة الأخيرة، والتي قدمت من خلالها رؤية أوسع لمستقبل التعاون المصري الصيني.
ففي حديثها عن بدء تطبيق الإعفاء الجمركي الكامل على واردات الصين من الدول الإفريقية التي ترتبط معها بعلاقات دبلوماسية، ومن بينها مصر، أشارت إلى فرص كبيرة أمام المنتجات المصرية للوصول إلى السوق الصينية، بما يمكن أن يسهم في زيادة الصادرات، وتحفيز الإنتاج، وجذب استثمارات جديدة.
وفي مقال آخر تناولت تجربة الصين في الحوكمة والتخطيط طويل المدى، بينما طرحت في مقال ثالث فكرة التوافق بين الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين ورؤية مصر 2030، باعتبار أن التقاء الرؤى والاستراتيجيات يمكن أن يخلق فرصًا أكبر للتعاون.
وعند وضع هذه الأفكار إلى جانب ما جرى بحثه في لقاء محافظ الإسكندرية مع القنصل العام، تظهر أمامنا صورة متكاملة: الصين تبحث عن فرص للتعاون والاستثمار، ومصر لديها احتياجات تنموية واسعة، بينما تمتلك الإسكندرية موقعًا استراتيجيًا وميناءً وقاعدة صناعية وزراعية وموارد بشرية يمكن أن تجعلها شريكًا مهمًا في هذه المعادلة.
لكن القيمة الحقيقية لأي استثمار لا يجب أن تقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل المدينة، وإنما بما يتركه على أرض الواقع.
فالمصنع الجديد يعني عمالة جديدة، والمشروعات التكنولوجية تحتاج إلى مهندسين وفنيين، ومشروعات الطاقة والمياه تحتاج إلى كوادر مدربة، كما أن زيادة حركة التجارة والاستثمار تعني فرصًا في النقل والخدمات واللوجستيات والصناعات المغذية.
وهنا يمكن أن يتحول التعاون الصيني إلى فرصة مباشرة أمام الشباب السكندري، ليس فقط من خلال فرص العمل المباشرة، وإنما أيضًا من خلال التدريب ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
وهذا تحديدًا ما يجعل ملفات التدريب والتبادل العلمي التي طُرحت خلال اللقاء ذات أهمية؛ فالمشروع الناجح لا يحتاج إلى رأس المال والتكنولوجيا فقط، وإنما يحتاج إلى الإنسان القادر على تشغيل التكنولوجيا وتطويرها.
ومع الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني، يمكن أن تحصل هذه الملفات على دفعة جديدة في إطار الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين، بينما تظل الإسكندرية إحدى المدن القادرة على ترجمة هذه الشراكة إلى مشروعات ملموسة.
فالعلاقات المصرية الصينية التي بدأت دبلوماسيًا قبل 70 عامًا، تمتلك اليوم رصيدًا كبيرًا من التعاون والثقة، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من قوة العلاقات إلى قوة النتائج.
والنتيجة التي ينتظرها المواطن بسيطة وواضحة: استثمارات حقيقية، مشروعات جديدة، تكنولوجيا حديثة، أسواق أوسع، وفرص عمل.
وبالنسبة للإسكندرية، فإن الفرصة لا تكمن فقط في استقبال الشركات والاستثمارات الصينية، وإنما في جذب المشروعات التي تضيف قيمة للمدينة، وتساعد على مواجهة تحدياتها، وتفتح أمام شبابها أبوابًا جديدة للعمل.
فإذا كانت زيارة الرئيس الصيني تفتح الباب على مستوى العلاقات بين البلدين، فإن ما سيحدث بعد ذلك هو الاختبار الحقيقي.
مشروعات تبدأ، واستثمارات تعمل، وتكنولوجيا تنتقل، وشاب إسكندراني يجد فرصة عمل.. عندها فقط يمكن القول إن الشراكة المصرية الصينية انتقلت من صفحات التاريخ إلى صناعة المستقبل.

