مصر ليست مجرد مساحة مرسومة على خريطة. ولا وطنا يتناقل اسمه العابرون في سجلات التاريخ. بل هي كما اخبرنا الوحي بلد امين. بلد آمن ومأمون. جعل الله في ذكرها سكنا للقلوب قبل ان يجعل في ارضها سكنا للابدان.
اختصها الله بالذكر. وتكرر اسمها في كتابه مرات لم تمنح لغيرها من بقاع الارض. ولم يكن ذلك اعتباطا ولا سردا تاريخيا جافا. بل اشارة ربانية الى سر قديم. ورعاية دائمة. وحكمة تختبئ خلف ستار الازمنة.
ولعلها حكمة إلهية أن تكون مصر ملاذا آمنا. حضنا يلوذ اليه الخائف. ويطمئن فيه الغريب. منذ أن وطئت قدم الأنبياء أرضها. وحتى يومنا هذا. لم تكن محطة عابرة. بل كانت دوما مقصدا. وكأن في ترابها امانا فطريا يسري في النسيم. ويستقر في الارواح قبل ان يلامس الجلود.
وما كان ذكرها في القرآن بهذا التعدد والكرامة من فراغ. فلا بلد آخر حظي بذات المنزلة. ولا ارض خفقت في آيات الله كما خفقت مصر.
وكأن قدرها ان تكون شاهدا على التاريخ. وحارسة له. وواحة للجائع. ومرفأ للهارب. وجناحا للضعيف.
ثم يأتي الحديث عن جندها…
اولئك الذين قيل فيهم إنهم خير اجناد الارض. والذين كتب عليهم ان يكونوا في رباط الى يوم القيامة.
والرباط هنا ليس رباط السلاح فقط. ولا رباط العدة والعتاد. بل رباط الروح قبل الجسد. ورباط الوحدة التي لا تنكسر. والتضامن الذي لا ينقطع. والتكافل الذي لا يعرف عنصرية ولا عصبية بين أبناء الشعب الواحد .
فمصر بحق بلد الغريب قبل أن تكون بلد أهلها. أرض تشبه الأم. لا تسأل القادم من أين أتى. بل تحتضنه. وتمنحه من خيراتها. وتترك في قلبه اثرا لا يمحى.
وعبر العصور. كانت مصر مصدر العطاء. ارضا تعطي اكثر مما تأخذ. وتفي اكثر مما يطلب منها. وتنهض كلما سقطت. كأن في شرايينها سرا من سنابل يوسف. لا ينفد مهما اشتد القحط.
ولم يكن تكريمها في كتاب الله الا امتدادا لهذا الفيض.
فقد قيل في الاثر: “إن لكل بلد ملكا موكلا بها… الا مصر. فقد تكفل الله بحمايتها ” .
وما اعظمها من منزلة. وما ارفعها من شهادة.
ان يحرسك رب العزة. فلا يخذلك الزمان. ولا تغلبك المحن.
مصر … مصر
اسم إذا نطقته احسست بالثبات. واذا كتبته شعرت بالطمأنينة. وإذا تأملته رأيت أمة تعانق الخلود.
ولذلك… تظل مصر ما بقي الدهر أرض الأمان. وواحة اليقين. وحضن التاريخ. ومهد الرسالات. وبوابة النور التي تتدفق منها الحياة.

