الثلاثاء. مارس 10th, 2026

عمر عبد العلي يكتب :الميت الحى !!

admin2023admin2023 24, ديسمبر 2025 13:12:09

الميت الحى !!

..وعملت في مهنة الصحافة وأنا في سنواتي الأخيرة من الدراسة الجامعية بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة سوهاج ، كانت مكافأتي الشهرية خمسين جنيها فقط! .. كانت الحياة بسيطة والأسعار رخيصة ، وكان شغف العمل الدءوب في مهنة صاحبة الجلالة يجعلنا نتجاوز الصعاب ونتحمل أوجاعا كثيرة.
في صباح يوم النصف من شعبان عام 2001، وبعد خمس سنوات عجاف من العمل المتواصل، صدر قرار تعييني.. وفي اليوم نفسه كانت الفرحة فرحتين، إذ زادت مكافأتي من خمسين جنيها إلى مائة جنيه شهريا.
كانت فرحتي لا توصف، وكنت صائما في ذلك اليوم المبارك وهو يوم النصف من شعبان .
على الفور، اتصلت بوالدتي الحاجة أمينة الكودي – رحمها الله –، كانت أمي أيقونة الحياة بالنسبة إلي، وهي الدافع لي لمواصلة عملي وتحقيق حلمي في أن أكون صحفيا أحمل هموم الناس وهكذا جاء مقالي ” يوميات مواطن” ، لكن كان همى الأول والأخير كيف أدخل الفرحة والسرور إلى قلب والدتي حتى أسعدها .
قلت لها مبتسما: والله يا أمي، ربنا كريم، “علشان كده أول ولد رزقت به من عند الله بعد الزواج سميته كريم بجانب توأمه نزار ” .
جاء صوت أمي الحنون عبر الهاتف يقول: إيه يا ابني؟ هتفرحني بحاجة حلوة النهارده؟
قلت لها: نعم يا أمي، اتعينت والله دلوقتي حالا، وربنا استجاب لدعائك.
قالت لي: طب تعالى يا حبيبي، لو صايم تفطر معايا، الوقت لسه بدري، وهعملك فطير أبيض ولحمة في “القعباية” زي ما بتحب.
قلت لها: حاضر يا أمي .. وعلى فكرة يا أمي، أنا كمان قابض “مية جنيه” ، هجيب لك بيهم حاجة حلوة.

بحثت عن تذكرة قطار إلى سوهاج فلم أجد، فقررت أن أركب ميكروباص من محطة أقاليم الصعيد بالمرج.
جلست في المقعد الأمامي بجوار السائق، وجاء رجل كبير في السن وقال لي: ممكن أقعد جنب الشباك؟ صدري بيوجعني وعايز شوية هوا.
فقلت له: طبعًا، اتفضل.
تحرك السائق بنا، وكان هناك خلل في الإطار الأمامي للسيارة .. قال إنه سيصلحها في الطريق، لكنه نسي ذلك.
وبعد أن تجاوزنا ميدان الرماية بالهرم، دخلنا الطريق الصحراوى الغربي المتجه للصعيد وبلدى شطورة بمدينة طهطا بمحافظة سوهاج .
أمام مدينة العياط التابعة لمحافظة بني سويف، انفجر إطار السيارة الأمامي ! .. كانت الدنيا نهارا، وفجأة تحول النهار إلى ليل حالك، وظلام لا يعلمه إلا الله.
لم أشعر بشيء وبعد فترة من الوقت عاد إلي وعيي بعد أن فقدته، فوجدت نفسي ملقى على جانب الطريق وحدي، لا أحد بجواري، والدماء تغمر وجهي وملابسي وتنهمر كالسيل.. وجدت كوفية بجانبي، فوضعتها داخل جرح عميق في رأسي ..نظرت يمينا ويسارا فلم أر أحدا بجوارى !!
أين الميكروباص؟ أين الركاب الذين كانوا حولي؟
أُغمي علي مرة أخرى.. قالوا لي بعد ذلك إن السيارة سقطت في الوادي، وإنني كنت الوحيد الذي طار من الزجاج الأمامي، بينما توفي معظم الركاب.
حضرت سيارات الإسعاف، أخذت بعض الجرحى، ثم عادت لتكمل طريقها.. بدأت أصرخ في السيارات المارة: خدوا ” المية جنيه” بس وصلوني المستشفى!
لكن لم يتوقف أحد… الجميع تركني والدماء تغمرني.
أُغمي علي مجددا.. وفجأة سمعت صوت الإسعاف، فنهضت ورميت نفسي بداخلها، فوجدت نفسي تحت جثث ومصابين، ونقلنا إلى مستشفى العياط المركزي .
هناك، وجدت سيدة كبيرة ترتدي السواد، تشبه أمي، احتضنتني وبدأت تخرج الزجاج من جسدي، وعيناها تفيضان حنانا وهي تقول بنظراتها:
– لا تخف يا ابني، إنت زي ابني.

أجروا لي عملية جراحية، وجاءت أمي وأشقائى وعائلتي من سوهاج إلى المستشفى ، أمي تصرخ وتنادى : فينك يا عمر؟ قالوا لها: ابنك مات.
صرخت من أعماقي ، وأنا ملفوف في الشاش لا أستطيع الحركة :لا يا أمى … أنا حي ! النفس لسه فيا! .. اللى مات هو من جلس بدلا مني في المقعد، الذي قال لي: «لو سمحت أقعد جنب الشباك»!

احتضنتني أمي وهي تبكي وقالت: سامحني يا ابني، أنا اللي قلت لك تيجي تفطر معايا في يوم كله بركة.. لكن ربك كبير… نجاك ورجعك ليا.

الشيخ راغب موشيه”

وهنا نواصل سرد حكاية الشيخ راغب موشيه، التي عشتها بنفسي، بعد أن تسلل “راغب” إلى جسد صديقي حسين، وأصبح ضيفا ثقيلا في جسد شخص آخر، ليحكي لنا عن حياته القديمة كـ”يهودي” في الإسكندرية، عن التجارة والصداقات، وعن نهايات انتهت بجريمة قتل!
قررنا البحث عن وسيلة لإخراج “عفريت” الشيخ راغب من جسد صديقي حسين، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل. واستمر عفريت الشيخ راغب في جسد حسين لأشهر، يروي لنا حكايات تشيب لها الولدان.
كان صديقى حسين يعيش حياة طبيعية مع الجميع، لكن عندما يعود ليلا ويخلد إلى النوم، تظهر عليه علامات غريبة ، حيث تتصلب ملامحه، ويتحجر جسده، ويتغير لونه إلى داكن شاحب، وكأنه شبح في جسد إنسان.
اقتربت منه وسألته:
– من أنت؟
رد قائلًا:
– أبلغتك أكثر من مرة… أنا قرين حسين.
سألته مرة أخرى:
– ولماذا تعيش بداخله؟
أجاب:
– هو في حمايتي، ولن يستطيع أحد الاقتراب منه.
سكت وقلت: “حاضر”.
لكن فضولي دفعني لاستكمال الحديث معه عن حياته الماضية. وكانت المفاجأة!
تحدث معي عفريت حسين “الشيخ راغب”، عن قصص جمعته بأصدقائه في تلك الحقبة، وقال إنه كان دائم الحضور في حفلات أم كلثوم، لم يتخلف عن واحدة منها أبدا. وفجأة توقف عن الحديث وقال إنه يريد سماع القرآن.
قلت له:
– ألست يهوديا كما ذكرت لى ؟
قال: نعم، لكنني أحب أن أسمع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، صوته يعجبني.
كان لدي شريط كاسيت للشيخ عبد الباسط، وعندما سمع صوته انشرح وجهه، وتبسم، وتغيرت ملامحه، وظل يردد:
– انظر إلى هذا الصوت الجميل… هذا الرجل هدية من السماء.

وبعد لحظات، طلب مني الشيخ راغب الإذن بالانصراف.
قلت له: لماذا؟ أنا أرغب في سماع بقية الحكاية.
قال: لا أستطيع الاستمرار، سأعود بعد صلاة الفجر.
قلت له: لماذا بعد الفجر؟
قال: في قرآنكم آية تقول: «إن قرآن الفجر كان مشهودا».

ثم لاحظت أن حسين استيقظ من نومه وهو يشتكي من آلام في جسده.. أيقنت فى تلك اللحظة أن قرينه خرج مؤقتا من ضلوعه على أن يعود مرة أخرى عندما يخلد صديقى حسين إلى النوم !!

رحلتي مع الشيخ ياسين التهامى”

في قريتي الصغيرة في الصعيد، حيث كانت السماء تزينها النجوم وتملأ الأرجاء أصداء الضحك والفرح والسرور، كان عمري لا يتجاوز الثامنة. كانت تلك الليلة – ومازالت- عالقة في ذاكرتي وهي ليلة زفاف ابن عمى حيث كان منزله على أطراف القرية .. كان الاحتفال مهيبا، والأجواء مليئة بالفرح والتقاليد القديمة التي لا يزال الكثير منها حيا في قلوبنا.
لكن ما جعل تلك الليلة استثنائية بالنسبة لي، هو أن الشيخ ياسين التهامي، المنشد الديني المشهور، هو من يحيي تلك الليلة بصوته العذب. لم أكن قد سمعت من قبل صوتا مثله، ذلك الصوت الذي يحمل بين طياته الحنين والروحانية. . كنت أستمع باهتمام شديد لما ينشده الشيخ التهامي الذى كان فى ذلك الوقت شابا يافعا ، كانت عيناي تتابعانه بشغف ، وصوته كالعازف الذي ينسج من الكلمات لحنا خاصا بالروح. شعرت وكأنني جزء من تلك الألحان، تسري في دمي وتثير في قلبي شعورا لا أستطيع تفسيره.

لكن الأمر الذي لا ينسى هو قراري المفاجئ. في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب يجذبني للبقاء. رغم أن عائلتي كانت تستعد للعودة إلى البيت، رفضت العودة معهم. كنت أرغب في البقاء لسماع المزيد من تلك الألحان الساحرة التي يصعب العثور عليها في مكان آخر. كنت أعرف، في أعماقي، أن هذه فرصة نادرة، وأن تلك اللحظة لن تتكرر بسهولة.. ورفض الرحيل وقلت لشقيقى الأكبر .. لن أعود إلى البيت !!

بعد تلك الليلة الروحانية التي قضيتها مع الشيخ ياسين التهامي، أصبح هذا الصوت الذي يحمل عبق الذكرى هو شغفي الأول. تعلقت به بشدة، وكأنني أدمنت سماع ألحانه العذبة ، أصبحت أطلب من أعمامي وأصدقائي أن يصطحبوني معهم في أي مكان أو ليلة يتم فيها حضور الشيخ ياسين التهامي، مهما كان المكان بعيدا أو صعب الوصول إليه.. كانت رحلاتنا تبدأ بعد غروب الشمس لحضور حفلات الشيخ التهامي ، نسير بين القرى والنجوع المجاورة، وكأننا نسعى وراء سر عظيم، سر لا يعلمه إلا من ذاق لذة الاستماع إلى صوت الشيخ ياسين التهامي.

ورغم جمال تلك اللحظات، إلا أننا كنا نواجه الكثير من الصعاب في طريقنا. كانت الطريق التي نسلكها ليلا مليئة بالمخاطر، وغارقة في ظلام دامس، لا يكسر هدوءه إلا أصوات أقدامنا وترديد الأذكار في صدورنا. كانت العتمة تحيط بنا من كل جانب، والمجهول ينتظرنا في كل زاوية، خاصة مع وجود الذئاب والكلاب الضالة التي كانت تجوب تلك الأماكن في الليل.

لكن، ورغم كل هذه المخاوف والمصاعب، كانت المتعة التي نشعر بها ونحن نسمع الشيخ ياسين وهو ينشد، كفيلة بأن تنسينا كل شيء. كان صوته يبث في قلوبنا القوة، ويمنحنا الطمأنينة وسط الظلام،. كانت كل خطوة نخوضها في الطريق تحمل أملًا في أن نصل إلى المكان الذي يحيي فيه الشيخ ياسين ذكره، فتسكن أرواحنا وتطمئن قلوبنا.
وحتى اليوم، وبعد قرابة 42 عامًا من تلك الليلة ، لا يزال صوت الشيخ ياسين التهامي يرن في أذني كما لو كان بالأمس. لم تقتصر متابعتي له على تلك الليلة فقط، ظللت أتابع حفلاته في كل مكان، أبحث عن أي فرصة للاستماع إلى تلك الألحان التي كانت تملأ قلبي بالسلام والسكينة.
ولم يكن حبي للشيخ ياسين يقتصر فقط على صوته، بل امتد ليشمل أبناءه الذين ورثوا عنه تلك الموهبة الفريدة، محمود، مهدي، ومحمد، أبناء الشيخ ياسين، وهم يواصلون تلك المسيرة الروحانية التي بدأها والدهم.


#أخبار العالم الآن #العالم الآن الإخبارى alalamalan #العالم الآن. قناة العالم #عمر عبد العلي يكتب :الميت الحى !!

اخبار مرتبطة