د.الهادي عبد الله أبو ضفائر يكتب : فلسفة البناء.. كيف يُصنع المركز من الأطراف؟

admin2023admin2023 12, يونيو 2026 19:06:20

الخطيئة الكبرى لا تكمن في شحّ الموارد، وإنما في فساد التصورات واختلال الوعي. فالمفاهيم المغلوطة، سواء نشأت من الجهل أو صُنعت عمداً، تنسج ضباباً كثيفاً يحجب الرؤية ويشوّه البصيرة فتسهل فيه صناعة الضحايا وتعلو الأهواء الفردية على المصلحة العامة.

الحياة لا تعترف بالصدف وكل نهاية منطقية ومبهرة هي ابنةٌ شرعية لمقدمة سليمة جرى تدبّرها بوعي. فالكون محكومٌ بنواميس صارمة، تنبئنا بأن الظل لا يستقيم والعود أعوج، وأن النيّ مصيرها الحتمي إلى النار. وليس في مقدور أحد، مهما بلغت قدرته أو نفوذه، أن يصنع تنميةً حقيقيةً فوق أرض أنهكها الإهمال. فالطرق الملتوية لا تُثمر إلا تيهاً وضلالاً، أما البدايات السليمة، وإن تطلّبت صبراً ومثابرة، فهي وحدها التي تقود إلى النهوض والازدهار.

وهكذا تتجلى النواميس في أدق تفاصيل ثقافتنا السودانية وأكثرها عفوية، ففي عملية عواصة الكسرة تظهر عبقرية الفطرة. فالطباخة الحاذقة لا تكتفي بالعناية بالأدوات مثل القرقريبة وكورية الموية، بل تدهن الصاج بالطايوق لمنع الالتصاق، وتستخدم علبة الصلصة لحوافّه لضمان سلاسة العواصة، ثم تسكب العجين في الوسط وتوزعه بالتساوي حتى يتحد السمك ويتوازن النضج.

و حين تنضج الكسرة تأتي الإشارة من الأطراف، إذ ترتفع الحواف نحو الأعلى معلنةً اكتمال النضج. وهذه اللمحة العفوية تلخّص فلسفة التنمية المتوازنة. فالمناطق غير المرئية والأطراف النائية هي المعيار الحقيقي لنضج الأوطان. فإذا لم تنضج الأطراف، ظلّ المركز هشّاً ومهدداً. فالتنمية في المركز على حساب الأطراف هي قلبٌ للوضع الطبيعي، ومخالفةٌ صريحةٌ لسنن التوازن التي فطر الله عليها العمران.

إنّ الطبيعة من حولنا مليئة بالأدلة فالطير لا يستطيع التحليق بدون أطراف (إلاجنحة)، وإذا ما ضعفت الأطراف سقط الجسد كله، وحتى الشجرة التي ضرب الله بها مثلاً كشجرة طيبة، لا يثبت أصلها في الأرض إلا بقدر ما تمتد فروعها وأطرافها في السماء لتستمد الحياة وتثبت الوجود.

(وفي انفسكم أفلا تبصرون) فجسد الإنسان إذا شُلّت أطرافه يفقد قدرته على الإنتاج وصناعة الحياة، وتنفرط معه عقد القوة والمهابة حتى في الدوائر الاجتماعية الصغرى، والأكثر ايلاماّ في داخل البيت تفقد الرعاية (كرع عنقريب). وحتى في الملاعب، يُوكل الاختراق وصناعة الفارق إلى أسرع اللاعبين وأكثرهم مهارة، فيشغلون الأطراف (الأجنحة)، لأنها موضع صناعة الفارق وتفكيك حصون الخصوم.

وعلى النقيض من ذلك فإن إهمال الأطراف هو الثغرة التي يتسرّب منها الخراب إلى الدول. فمنها تنتشر الجريمة، وتُهرَّب الثروات، وتُستباح السيادة. والتاريخ شاهدٌ على أن السقوط يبدأ غالباً من الهوامش لا من المراكز، في غزوة أُحد لم يكن الخلل في قلب المعركة، بل في ثغرةٍ على الطرف غيّرت مجرى الأحداث. (الحبل لا ينقطع إلا من محل رقيق)، والأوطان لا تتآكل إلا من أطرافها المهملة، لذلك فإن تنمية الأطراف ليست ترفاً، بل صمّام أمان لبقاء الدولة وقوتها.

ويدرك المزارع البسيط هذه الحقيقة بفطرته فلا يزرع أرضه قبل أن يحيطها بسياج يحفظها. وفي الريف تُحصَّن الجباريك بالحيشان، وفي المدن تُشيَّد الأسوار وتُمد الأسلاك الشائكة على الأطراف قبل اكتمال البناء. وكأن الجميع يقرّ بحكمة واحدة، أن الحماية تبدأ من الحدود لا من القلب، وأن سلامة المركز رهينةٌ بقوة أطرافه.

إلا أننا نُهمل الأطراف ثم نطلب مركزاً قوياً، بينما الحقيقة أن المركز لا يقوى إلا بأطرافه. لكن العقلية السياسية والفكرية، يميناً ويساراً، وحتى بعض الكيانات الدينية، دأبت على إبقاء الأطراف في عتمة الجهل والتهميش، حفاظاً على مصالحها الضيقة وخوفاً من تمدد الوعي واتساعه.

في مفارقة لافتة تُسارع النخب إلى تحديث أدواتها المادية، بينما تستميت في إبقاء عقول الجماهير في قوالبها القديمة، يُتبع بلا تفكير ويُردَّد بلا سؤال، ومن يخرج عن المألوف يُتَّهَم بالخروج من الملة. وهكذا يتحول التجهيل المتعمد إلى صناعة للهشاشة، فتغدو الأطراف قنابل موقوتة، ويغرق الوطن في دوامة حروبٍ عبثية تستنزف الإنتاج. وحين يتآكل الإنتاج، لا يبقى من الدولة إلا كيانٌ هشٌّ قابلٌ للاستباحة من الداخل قبل الخارج.

وبالنظر إلى تجارب التحولات الكبرى، يتضح أن كثيراً من الطفرات التنموية بدأت من الأطراف قبل المراكز. في ماليزيا حين تولّى مهاتير الحكم، وجد الريف مهمشاً وأغلبية الملايو في دائرة الفقر والتأخر. ولم يبدأ ببناء الأبراج في كوالالمبور، بل اتجه إلى سياسة تنمية متوازنة، منح فيها الأطراف امتيازات خاصة، ليُلحقها بركب الدولة الحديثة وتنهض مع المركز في آن واحد.

أدرك مهاتير أن الإنسان الذي يعيش في ريفٍ معزول، يرهقه الحرمان وتنهكه قسوة الحياة، ويُستغل عرقه لصالح السماسرة، لن يشعر بانتماء حقيقي لوطنٍ لم يمنحه أسباب الكرامة. فحين يتساوى الأمل واليأس في النفوس ويفقد الوطن معناه، وتتحول العلاقة به من انتماءٍ إلى مسبة (ملعون ابوك يا بلد). لأن الموت والحياة عنده سيان.

إن استعادة كرامة الإنسان وتحريره من وطأة المرض والجهل والسمسرة، كانت حجر الأساس الذي حولت ماليزيا من بلد ممزق إلى عملاق اقتصادي. فالمواطن الذي ينعم بالأمن والكرامة ويجد نصيبه العادل من التنمية، يتحول إلى شريك في بناء الوطن وحارس لاستقراره. فالبداية الصحيحة لا تكون من المراكز، بل من رعاية الإنسان في الاطراف. وذلك هو جوهر السلم الشامل الذي دعا إليه الحق سبحانه وتعالى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) إذ لا يستقيم بنيان الوطن حتى تنعم أطرافه بالأمن، وتزدهر فيها الكرامة، فيمتد ظله وارفاً على الجميع.
abudafair@hotmail.com


#د.الهادي عبد الله أبو ضفائر يكتب : فلسفة البناء.. كيف يُصنع المركز من الأطراف؟

اخبار مرتبطة