في الآونة الأخيرة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لفتيات ونساء يظهرن في حالات من الانفعال والغضب، مستخدمات ألفاظاً جارحة، وإشارات وحركات باليد لا تليق بقيم الاحترام وضبط النفس التي اعتادها المجتمع المصري، ولا بالصورة التي عُرفت بها المرأة المصرية عبر أجيال طويلة.
ولأن وسائل التواصل لم تعد مساحة خاصة، فإن ما يُنشر عليها يصل في لحظات إلى ملايين المشاهدين، فيتحول تصرف فردي إلى صورة عامة تُقرأ انعكاساً للمجتمع كله، والحقيقة أن هذه المقاطع لا تمثل إلا أصحابها. كما أن .
فالمرأة المصرية ارتبطت في الوجدان الشعبي بالقوة والصبر وتحمل المسؤولية والجدعنة، وكانت شريكاً أساسياً في بناء البيت وتربية الأبناء ومواجهة صعوبات الحياة.
ومن هنا جاء عنوان المقال: «نساء خارج السيطرة». وليس المقصود إطلاق حكم على النساء، فالغضب والسلوك العدواني يظهران عند الرجال والنساء على حد سواء، وإنما التوقف أمام نماذج تجاوز فيها الانفعال حدود الغضب الطبيعي إلى الشتائم والإهانات والإشارات الحركية والاعتداء، فبدا صاحبها فاقداً القدرة على ضبط نفسه.
(مشهد طفل أكبر من عمره)
أكثر ما دفعني إلى التفكير في هذه الظاهرة مشهد لأم تتشاجر مع طليقها،أثناء الرؤية لتأخره عن الحضور بخمس دقائق وتوجه إليه ألفاظاً قاسية أمام ابنها ذي التسع سنوات . والمؤلم لم يكن ما تقوله الأم فقط، بل رد فعل الطفل.
كان يردد (خلاص بقى يا ماما)، ثم وضع يده فوق رأسه كأنه يريد أن يختفي أو يوقف ما يحدث بأي طريقة. وبدا في حركاته وكلماته أكبر من سنه، كأنه يدرك أن ما يجري ليس طبيعياً.
فماذا يحدث داخل نفس هذا الطفل؟ كان يفترض أن يشعر بالأمان إلى جوار أمه، فوجد نفسه شاهداً على معركة بين والديه. وقد يخرج منها بخوف وإحراج وحيرة، وربما يتعلم أن الخلاف لا يُدار بالحوار بل بالصراخ والإهانة. فالطفل لا يسمع الكلمات فقط، بل يتعلم من طريقة استخدامها.
وما يتعلمه الطفل في البيت يتسع أثره خارجه، فحين تنتشر هذه المشاهد على مواقع التواصل لا يتوقف الأمر عند الشتائم؛ هناك من يلوّح بإصبعه، ويقترب من الطرف الآخر بطريقة استفزازية، ويصرخ ويهدد، وكأن الهدف لم يعد التعبير عن الغضب، بل إذلال الطرف الآخر وإيذاؤه نفسياً.
واللافت أن الإهانة أحياناً لا تشبع الرغبة في الانتقام، فيصحبها سلوك حركي عدواني، كأن الغاضب يقول لن أكتفي بالكلام.
لكن الإنسان لا يُقاس بما يفعله وهو هادئ فقط، وإنما يظهر وعيه الحقيقي في طريقة سيطرته على نفسه حين يغضب.
ولهذا فالمسؤولية مشتركة. على كل غاضب أن يتذكر أن هناك من يراقبه، وأن أبناءه أول من يتعلم منه؛ فإذا تعذر الحوار فليتوقف قبل أن تخرج الكلمة أو اليد. وعلى كل من يصوّر وينشر أن يسأل نفسه هل ينصف أم يفضح؟ فالقوة الحقيقية ليست في علو الصوت ولا في إهانة الخصم، بل في القدرة على الصمت حين يحتدم الغضب، وعلى أن نكون لأبنائنا قدوة.
