على مدار عدة أسابيع، رأينا من انتحروا بمحافظات عدة، وآخر يحرق كشكًا بالبنزين وهو يدعو على المسؤولين.
نَسِيَ الإنسان أنه جاء الدنيا عاريًا لا يملك درهمًا ولا دينارًا، وأن الرزاق هو الله. أنقنط من رحمة الله؟! فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: 56).
وتناسى الكثير أن الشيء الوحيد المؤكد أن الدنيا فانية، وحقيقة متكررة يوميًا أمامنا هي الموت. إذن، أين المفر؟! إلى الله، الخالق المدبر لأمر هذا الكون؛ فقد قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (الذاريات: 50).
النفس بها الخير والشر، فقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 7–8). ولكلٍّ شيطانٌ ينزغ له، حيث قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: 36). فالدنيا للاختبار، وجعل لك وحيًا، والقرآن بين أيدينا جميعًا، وقال الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (طه: 124)، وأيضًا قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
إذن، وضع لك الامتحان، وأعطاك الخير والشر، وأعطاك الحلول جاهزة: الصلاة والذكر. وقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: 60).
بل إنه الملك الذي يحب أن يُطلب منه الناس، فيتنزل في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأستجيب له؟ إذن، الامتحان “أوبن بوك”. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153). وقال أجدادنا: إن صبرتم أُجرتم، وأمر الله نافذ، وإن ضجرتم كفرتم، وأمر الله نافذ.
على مدار قرون مضت، الجميع يشتكي الفقر، ويتناسى كلٌّ منا الرضا كي يسعد في لحظته الحالية، بل الجميع يركض إلى الموت، ولكن قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: 20). وقال الحكيم: ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجَت، وكنت أظنها لن تُفرج. فلا بد من الضيق، وما غلب عسرٌ يسرين، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5–6)
فهذا إقرارٌ تامٌّ بالانفراجة مع تجارب حياتية متكررة مؤكدة لذلك، وإلى الذى يحرق ممتلكاته أقول ما الا يدرك كله لا يترك كله وقال تعالى هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه(الملك: ١٥).
أرجو ممن يمارسون الاستشفاء المجتمعي ألا يتعارض كلامهم مع الدين، مثل أستاذ الفقه الذي يحلل الانتحار بشكل أو بآخر فيجعله أمرًا يسيرًا، فقال إن الصحابة انتحروا؟! وعندما تسمعه تظن أن كبار الصحابة حاولوا الانتحار! إذن، فأين عمق الإيمان وفهم الدين الذي يجعلهم في طليعة الصابرين؟! متحدثًا عن الذي قتل نفسه في المعركة من شدة الألم، فأقر النبي ﷺ بكفره، وهو ليس علمًا، وغير معروف بالصحابة. بل إن من أهم مقاصد الشريعة حفظ النفس. وهل حثّ أي دين سماوي على الانتحار، سواء المسيحية أو غيرها؟! بالتأكيد لا.
إذن، لِمَ الانتحار؟! إن كان بمرضٍ نفسيٍّ حقيقي يؤثر على القوى العقلية، فإن الله غفور رحيم، ولكن اليأس والقنوط من مرض أو فقر أو غير ذلك؛ فهنا علينا جميعًا أن نفرّ إلى الله. ركعتان في جوف الليل من قلب صادق، والله لن يتركك خالقك في مهب الريح عالقًا، بل سيمنحك الحل؛ فهو أحنّ عليك من نفسك التي بين جنبيك. قد تدفعك نفسك إلى الانتحار أو حرق ممتلكاتك، ولكن الله هو الحنّان المنّان، خزائن السماوات والأرض ملكه. وقال الشعراوي: لا يقلق من كان له أب، فكيف بمن كان له رب؟!
kemoadwia@yahoo.com

