يوميات الأخبار يكتبها محمد عبيد: حنين للماضي

admin2023admin2023 26, مارس 2026 16:03:01

الإثنين: شاءات الأقدار

شاءت الأقدار هذا العام أن أكون أنا من يُوصّل ابني طه إلى المدرسة. في صباح اليوم الأول، ما إن نزلنا إلى الشارع حتى فوجئت بالمشهد: طوابير طويلة من التلاميذ بمختلف الأعمار، كلٌّ منهم يسير بجوار أسرته في طريقه إلى المدرسة. هذا المشهد أعادني فورًا إلى طفولتي في بلدنا الريفي الجميل؛ كنّا نقطع ما يقرب من 750 مترًا سيرًا على الأقدام حاملين حقائبنا الثقيلة، لا وسيلة مواصلات ولا رفاهية، فقط عزيمة الأطفال في طلب العلم. لم يكن حرّ الصيف ولا برد الشتاء يثنينا، فالكلّ يسير في الطريق نفسه، وكأنها طقوس معتادة في الأقاليم حيث يتحمل الطلاب المشقة أكثر من أبناء المدينة.

بل إننا في المرحلة الثانوية كنّا نرى طلابًا يأتون من خمس قرى مجاورة إلى مدرستنا في مدينة قها، يتشاركون الطريق والأحلام. اليوم تغيّر كل شيء: أصبح في كل قرية تقريبًا مدرسة ثانوية خاصة بها، وأصبح “التوك توك” يتنقّل بين البيوت لجلب الطلاب إلى المدارس وإعادتهم بعد انتهاء اليوم الدراسي. مشهد الازدحام على الأرصفة والسيارات الصغيرة المكدسة بالطلاب جعلني أتساءل: حتى أبناء الأقاليم الذين عُرفوا بالصبر والجلَد صاروا اليوم أكثر ترفًا منّا حين كنا في أعمارهم؟ لقد فقدنا شيئًا من قيم الجهد والاعتماد على النفس، وحلّ محله الاعتماد على الوسائل الحديثة التي وإن سهّلت الحياة إلا أنها حرمت الأبناء من تعلم معنى الكفاح والصبر في سن مبكرة.

الأربعاء: وجوه متعددة

اليوم كان مختلفًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أحيانًا يفرض عليك القدر أفعالًا لم تخترها بإرادتك، فتجد نفسك في مواقف متناقضة تجمع بين الحزن والفرح في وقت واحد. في الصباح كنت أودع قريبًا عزيزًا إلى مثواه الأخير، صلاة جنازة وتشييع جثمان ومشاعر ثقيلة على القلب، دموع مختبئة خلف صمت طويل. كنت أتصور أن اليوم سينتهي على هذا الحزن العميق، لكنني فوجئت بواجب آخر في مناسبة فرح لأشخاص لا ذنب لهم في ما أمرّ به، وكان عليّ أن أبتسم وأشاركهم ابتهاجهم رغم ما في داخلي من وجع.

في تلك اللحظة تذكرت كلمات والدي رحمه الله في مثل هذه المواقف: «ده بتاعنا وده بتاعنا ومحدش له ذنب». شعرت كم كانت حكمته عميقة؛ فالحياة لا تتوقف، والناس لكلٍّ منهم ظروفه، والمجاملات في مجتمعنا ليست ترفًا بل هي خيط يربطنا ببعضنا مهما كانت الضغوط.

أجد نفسي أحيانًا أعيش دورًا مزدوجًا كأنني ممثل في مشهدين متناقضين؛ وجه حزين في مكان ووجه مبتسم في آخر، كأنني أستعير شخصية «رأفت الهجان» في القدرة على تبديل الوجوه في لحظات قليلة. إنه شعور مرهق، لكنه أصبح جزءًا من تربيتنا الاجتماعية ومن قيم المشاركة التي نشأنا عليها.

هكذا هي الحياة، لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن. يبقى علينا أن نتعامل مع هذه الضغوط، أن نحافظ على إنسانيتنا وسط تقلبات الأيام، وأن نحاول قدر الإمكان أن نكون أوفياء لكل من حولنا مهما كان الألم في داخلنا .

الخميس: رسالة بخط اليد !

ستظل الصحافة الورقية، مهما طال الزمن أو قصر، محتفظة برونقها الخاص وبقارئها المخلص الذي يبحث عنها ويقدّرها. فبرغم صخب المواقع الإلكترونية وضجيج منصات التواصل الاجتماعي، تبقى لها مكانتها وهيبتها، ويظل قارئها مختلفًا؛ يتميز برؤية أعمق وتحليل أرقى وتعليق جاد ومحترم، بعيدًا عن سطحية ما نراه أحيانًا على الشاشات الصغيرة. وما زلت أذكر نصيحة أستاذي ومعلمي ورئيسي، الكاتب الصحفي الكبير محمد درويش – مدير تحرير “الأخبار” والمشرف على المقالات – حين قال لي: “احترم الناس، فحتى لو كان قارئًا واحدًا فقط سيطالع مقالك، عليك أن تمنحه كامل الاحترام”. كانت هذه الجملة ولا تزال نبراسًا في عملي الصحفي.

قبل أيام جاءتني رسالة من بلد الطيبة والجمال أسوان وبالتحديد من دراو، من القارئ السبعيني حسين حسني محمد راسلني عبر البريد الإلكتروني طالبًا رقم الهاتف، ثم أرسل إليّ عبر “واتساب” مقطع فيديو يعبّر فيه عن رأيه في يوميات “الأخبار” السابقة التي كتبتها تحت عنوان “العلاقات هل لها عمر”. كانت المفاجأة أنه كتب رأيه بخط يده في كشكول، بلغة عربية رصينة قد يصعب على كثير من الشباب – بل وبعض الصحفيين – صياغتها بهذه الدقة. تسع صفحات كاملة اجتهد فيها هذا القارئ السبعيني ليقول كلمته، ويسرد قصته عن العلاقات في القرن الماضي وكيف نجح في بناء صلة مع أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة (تونس والسعودية وقطر وسوريا) ساعدته على السفر والعمل بإحدى الدول العربية وما زال على تواصل معهم حتى الآن. أليست هذه وحدها شهادة حيّة على أن الصحافة الورقية ما زالت قادرة على لمس القلوب والعقول، وأن قارئها سيظل مختلفًا؟

الجمعة: 220 يوم

شاءت الصدفة هذا الأسبوع أن يكون لي أنا وزوجتي موعدٌ ثابت بعد الغداء: جلسة هادئة لمشاهدة مسلسل جديد بدلًا من مسلسل الثامنة مساءً، يليه «حديث الروح» ثم نشرة التاسعة كما اعتدنا في طفولتنا وأيام بيوتنا القديمة، ذلك الطقس الذي كان يمنحنا دفئًا واطمئنانًا. لكن الآن تغيّر كل شيء؛ حلَّ محلّ ذلك اشتراك على الشبكة العنكبوتية يتيح لنا مشاهدة المسلسل بلا إعلانات ولا انتظار، فنشعر وكأننا نمتلك وقتنا نحن ونتحكم في إيقاع يومنا.

كان اختيارنا هذه المرة مسلسل «220 يومًا» للرائعين أحمد فهمي وصبا مبارك. وجدت نفسي مشدودًا إلى كل مشهد فيه؛ أحمد فهمي قدّم دور مريض السرطان في عزّ شبابه وقوته، والأدهى أنّه ينتظر مولودته ويعيش صراعًا بين الأمل والخوف. لم يكن تمثيلًا عاديًّا، بل تجسيدًا عميقًا لما يدور في رأس الإنسان حين تهوي به الحياة من قمّة النجومية والقوة والشهرة إلى أضعف لحظاته وأكثرها صدقًا مع ذاته.

كنت أراقب باندهاش نظرته لزوجته التي وقفت معه بكل حبّ ورقّة رغم محاولات العلاج الفاشلة، وأفكّر في ملامحها المرهقة ودموعها المكبوتة. تأمّلتُ: حين يُصاب المرء بالمرض في سنّ متقدّمة يكون الألم أهون قليلًا، فالأولاد قد اشتدّ عودهم، والإنسان يكون قد أتمّ كثيرًا من أهدافه وتخفّ وطأة المسؤولية عنه. لكن أن يأتيك المرض وأنت في عزّ قوّتك وأحلامك فهذا اختبار قاسٍ بكل معنى الكلمة، اختبار يكشف جوهر العلاقات ويعرّي هشاشة اللحظات السعيدة. وهذا ما نجح النجم في نقله إلينا على الشاشة بصدق يلامس القلب.

السيناريو والحوار كانا على قدر هذه القصة الموجعة، ينسابان بسلاسة ويضعان المشاهد في قلب الحدث. الحياة كلها قصص، لكني أشهد – من جديد – على قسوة المرض حين يخطف الشباب في ذروة أحلامهم ويجعلهم فجأةً وجهاً لوجه أمام هشاشة الحياة وقيمتها الحقيقية .

السبت: أنت مراقَب

أصبح شعور المراقبة على مواقع التواصل الاجتماعي أمرًا معتادًا لدى الكثيرين من الأهل والأصحاب؛ نتحدّث عن أمرٍ ما مرّة واحدة، ثم نفاجأ بإعلاناته أمامنا في كل مكان وكأنّها تخرج من أفكارنا قبل كلماتنا. قد أكون مسالمًا بطبعي، لكنّي واثق أن الموبايل في يد كل واحد منّا ما هو إلا جهاز تصنّت صغير نحمله طواعيةً في جيوبنا ونفتحه بأيدينا بكل اطمئنان.

آخر المواقف كانت مع زوجتي: كنّا نتحدّث بهدوء، وفجأة فوجئت بأن أحد مواقع التواصل الاجتماعي يرسل لها إشعارًا يخبرها بأن أفضل وقت لكتابة أي منشور هو يوم الأحد في الفترة المسائية، حيث يكون عدد كبير من أصدقائها متاحين للتفاعل والتعليق على المحتوى الذي تقدّمه ومشاركته على نطاق أوسع.

سكتنا قليلًا ونظرنا إلى بعضنا وكأنّنا مراقَبون فعلاً. تساءلت في نفسي: لمَ يقدّم الموقع «نصيحة» كهذه؟ هل هو اهتمام صادق بالمستخدمين، أم خطوة محسوبة بدقة لجذبنا أكثر وإبقائنا تحت الضوء وجمع مزيد من البيانات؟ ذلك الشعور بالعين الخفية التي تتابع كل حركة بات جزءًا من يومنا الرقمي وأحاديثنا اليومية من دون أن نشعر .

لحظة:
من أرادنا أردناه، ومن نسانا تركناه، ومن اشترانا زدناه، ومن وفانا كرّمناه ومن أكرمنا عزّزناه.

…………..

نقلا عن جريدة الأخبار


#أخبار العالم الآن #العالم الآن الإخبارى alalamalan #شاءت الأقدار هذا العام أن أكون أنا من يُوصّل ابني طه إلى المدرسة #قناة العالم الآن #يوميات الأخبار يكتبها محمد عبيد: حنين للماضي

اخبار مرتبطة