عندما يلوح رئيس أكبر قوة عسكرية في العالم بفكرة قصف دولة مستقرة كسلطنة عمان فإننا لا نواجه مجرد تصريح عابر بل نواجه عقلية تعيد المنطقة عقوداً إلى الوراء وتستخف بقواعد العلاقات الدولية.
سلطنة عمان لعبت على مدى عقود دور الوسيط الهادئ في منطقة ملتهبة من ملف إيران النووي إلى قنوات التواصل مع الحوثيين كانت مسقط تفتح أبوابها للحوار عندما تغلق بقية العواصم أبوابها.
هذا الدور لم يأتِ من ضعف بل من فهم عميق أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها وأن الكلمة الحكيمة توفر على الشعوب دماء وأموال لا تُحصى.
أن يُقابل هذا الدور بتهديد عسكري فجّ هو إنكار لأبسط قواعد الدبلوماسية.
التهديد بقصف عمان لا يستهدف حكومة أو منشأة بل يستهدف مفهوم السيادة نفسه. سلطنة عمان دولة ذات سيادة عضو في الأمم المتحدة تربطها بالولايات المتحدة علاقات دبلوماسية قديمة وصداقة وتعاون عسكري واقتصادي تمتد لعقود. تحويل هذه العلاقة إلى لغة التهديد يكشف عن نظرة استعلائية تتعامل مع الدول الصغيرة كأدوات لا كشركاء.
ان هذا الأسلوب يقوّض الثقة بين الحلفاء قبل الأعداء ويجعل أي دولة تفكر ألف مرة قبل أن تراهن على التحالف مع واشنطن .
وعلى المستوى الاستراتيجي التهديد غير محسوب العواقب. عمان تقع على مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ان أي عمل عسكري ضدها حتى لو كان “محدوداً” في خيال من أطلقه سيشعل المنطقة بأكملها ويرفع أسعار النفط إلى مستويات تهدد الاقتصاد العالمي بأسره.
من يتحدث عن القصف يتحدث عن أزمة اقتصادية عالمية جديدة وعن موجات لجوء وعن تطرف يولد من رحم الفوضى.
الأخطر أن هذا الخطاب يعطي شرعية للغة القوة على حساب لغة القانون إذا أصبح من المقبول لرئيس أمريكي أن يهدد دولة عربية مستقرة بالقصف لأسباب غامضة أو رسائل سياسية داخلية فماذا بقي من النظام الدولي؟ الرسالة التي تصل للعالم واضحة: القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يدفع الثمن.
ان سلطنة عمان لا تحتاج من أحد دروساً في السياسة فتاريخها قائم على التوازن وضبط النفس.
لكن الشعوب العربية يجب أن تقف ضد هذا المنطق المتهور، ليس دفاعاً عن مسقط وحدها، بل دفاعاً عن مبدأ أن الحوار لا يزال ممكناً وأن التهديد العسكري ليس ورقة تُلعب كلما ضاقت الحيلة.
ان السياسة الحقيقية تُبنى على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لا على التخويف والابتزاز. ومن يظن أن القصف يصنع سياسة، فهو لا يفهم السياسة ولا يفهم التاريخ.
حفظ الله عمان وسائر دول العالم من شر اسرائيل واللوبي الصهيوني فى واشنطن .
نصر بن حمود العبري
اعلامي ودبلوماسي عماني سابق .

