في مدينة عريقة مثل الإسكندرية، حيث تتعانق الحضارات وتبقى ذاكرة البحر شاهدة على قرون من التواصل بين الشعوب، تبدو العلاقات المصرية الصينية أكثر من مجرد علاقات دبلوماسية ممتدة؛ إنها حكاية جسور قديمة تتجدد كل يوم، وتبحث عن مسارات جديدة للتعاون في الاقتصاد والثقافة والتعليم والسياحة والاستثمار.
ومن خلال متابعة نشاط القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية بالإسكندرية، خلال الفترة الماضية، يمكن ملاحظة أن الدبلوماسية الصينية في المدينة لا تكتفي بالمناسبات الرسمية، وإنما تتحرك على الأرض، بين المحافظة والميناء والجامعات والمؤسسات الثقافية ورجال الأعمال والبرلمانيين والإعلاميين، بحثًا عن مساحات جديدة للتعاون والتقارب بين الشعبين.
وتأتي شيوي مين، القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية بالإسكندرية، في مقدمة هذا الحراك، بما تحمله من خبرات دبلوماسية، وما تبديه من اهتمام بالتواصل مع المجتمع السكندري ومؤسساته المختلفة.
وكان من اللافت، خلال أحد اللقاءات الإعلامية التي شاركت فيها، حرص القنصل العام على الحديث عن الإسكندرية باعتبارها مدينة ذات مكانة خاصة في الذاكرة الصينية، مشيرة إلى أن المدينة ورد ذكرها في الكتب الصينية القديمة منذ أكثر من ألفي عام، وأنها كانت إحدى المحطات المهمة على طريق الحرير القديم.
وهنا تبدو خصوصية الإسكندرية بالنسبة للعلاقات المصرية الصينية؛ فالتاريخ لا يُستدعى باعتباره ماضيًا فقط، وإنما يتحول إلى نقطة انطلاق نحو المستقبل.
وفي لقاء جمع القنصل العام بمحافظ الإسكندرية المهندس أيمن عطية وعدد من رجال الأعمال وممثلي الشركات الصينية، انتقلت هذه الرؤية إلى المجال الاقتصادي، حيث جرى بحث فرص استثمارية واعدة في مجالات إنتاج الطاقة من المخلفات، والأسمدة، والهيدروجين الأخضر، وتحلية ومعالجة مياه البحر، إلى جانب تطوير التعاون في الموانئ والنقل البحري.
كما شملت المناقشات تحديث اتفاقيات التوأمة والتعاون بين الإسكندرية وعدد من المدن الصينية، ودعم التعاون العلمي والثقافي والتبادل الطلابي وبرامج التدريب المهني، بما يعكس اتساع مفهوم الشراكة بين الجانبين.
ولم يكن الاقتصاد وحده حاضرًا في أجندة القنصلية، فالثقافة والحوار بين الحضارات يمثلان محورًا أساسيًا في النشاط الصيني بالإسكندرية.
وخلال ندوة حول «مبادرة الحضارة العالمية والتبادل والتعلم المتبادل بين الحضارتين الصينية والعربية»، طرحت شيوي مين رؤية تقوم على احترام تنوع الحضارات، وتعزيز القيم المشتركة للبشرية، والحفاظ على التراث مع الابتكار، وتوسيع التبادل والتعاون في المجالات الإنسانية والثقافية.
وكانت عبارتها عن ضرورة بناء «منارة جديدة للحضارة» من أكثر الأفكار التي تستحق التوقف أمامها؛ فالإسكندرية التي عرفت قديمًا منارتها الشهيرة يمكنها اليوم أن تكون منارة جديدة، ليس بالحجارة هذه المرة، وإنما بالحوار والتفاهم والتبادل بين الشعوب.
ومن هذا المنطلق، تبدو أهمية التعاون الثقافي والتعليمي بين مصر والصين، خاصة مع تنامي التعاون بين الجامعات والمؤسسات الثقافية، وتعليم اللغة الصينية في عدد من المدارس والجامعات، واستمرار التعاون في مجالات الآثار والتراث الثقافي والسياحة.
كما أن التواصل مع الشخصيات العامة وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ يمثل جانبًا آخر من هذا النشاط. ففي لقاء بالقنصلية الصينية بالإسكندرية، لم يكن الحديث عن العلاقات الثنائية بعيدًا عن اهتمامات المصريين اليومية، حتى وصل إلى الرياضة، عندما تحدثت شيوي مين بإعجاب عن أداء المنتخب المصري في كأس العالم، مشيدة بالروح القتالية والإصرار الذي ظهر به اللاعبون.
وهذه التفاصيل الصغيرة، في ظاهرها، تكشف جانبًا إنسانيًا مهمًا في العمل الدبلوماسي؛ فالعلاقات بين الدول لا تُبنى فقط عبر الاتفاقيات، وإنما أيضًا عبر معرفة ثقافة الشعوب واهتماماتها ومشاركتها لحظاتها المختلفة.
ومن خلال اللقاء الإعلامي الذي نظمته القنصلية مع نقيب الصحفيين بالإسكندرية وعدد من الصحفيين والإعلاميين، بدا واضحًا أن الإعلام يمثل بالنسبة للقنصلية مساحة أساسية للتواصل مع المجتمع، ونقل صورة أكثر عمقًا عن الصين والعلاقات المصرية الصينية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي يقوم به فريق العمل داخل القنصلية؛ فخلف كل لقاء وفعالية وزيارة واتصال هناك جهد تنظيمي وتواصلي متواصل، وهو ما يجعل نجاح الدبلوماسية على الأرض نتاجًا لعمل جماعي، وليس جهد شخص واحد.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل الاحتفال بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، وهي مناسبة لا تستعيد تاريخًا طويلًا من الصداقة فحسب، وإنما تفتح الباب أمام التفكير في السنوات المقبلة وما يمكن أن تحمله من فرص جديدة.
فمن الميناء إلى الاستثمار، ومن الجامعات إلى الثقافة، ومن البرلمان إلى الإعلام، تبدو الإسكندرية مساحة واسعة يمكن أن تتحول فيها العلاقات المصرية الصينية إلى مشروعات وشراكات أكثر حضورًا في حياة المواطنين.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من نشاط القنصلية الصينية بالإسكندرية: أن الدبلوماسية الناجحة ليست فقط في المكاتب وقاعات الاجتماعات، وإنما في القدرة على الوصول إلى الناس، والاستماع إليهم، وفتح أبواب التعاون أمامهم.
وبين تاريخ طريق الحرير القديم، وحاضر الشراكة الاستراتيجية، ومستقبل يحمل فرصًا جديدة، تواصل القنصلية الصينية بالإسكندرية أداء دورها كجسر بين مصر والصين، بينما تتحول الدبلوماسية يومًا بعد يوم من مفهوم العلاقات الرسمية إلى مساحة أوسع للتعاون الإنساني والثقافي والاقتصادي.
وفي مدينة كانت يومًا منارة للعالم، ربما تكون «المنارة الجديدة» التي تحدثت عنها شيوي مين هي هذا الجسر نفسه؛ جسرًا من المعرفة والحوار والتعاون، يمتد من الإسكندرية إلى الصين، ومن الماضي إلى المستقبل.
نسرين عبد الرحيم تكتب..القنصلية الصينية بالإسكندرية.. دبلوماسية تتحرك على الأرض وتصنع جسورًا بين الحضارتين
