نسرين عبد الرحيم تكتب..الصين بأعيننا: رحلة بين الحضارة والابتكار

اياد محمداياد محمد 1, ديسمبر 2025 22:12:56

 

على الرغم من أنني زرتُ الصين سابقاً ضمن وفد مصري رسمي كانت مهمته الاطلاع على عدد من المؤسسات الإعلامية وبعض المواقع الثقافية والمعالم الطبيعية، فإن تلك الزيارات لم تمنحني الصورة الكاملة التي وجدتها في رحلتي الأخيرة. ورغم أنني لم أزر الصين كسائحة في أي وقت، فإن مشاركتي في هذه الورشة جعلتني أشعر وكأنني أكتشف هذا البلد للمرة الأولى، بعين أكثر نضجاً، وبقلب أكثر قرباً وفهماً.

لقد جاءت مشاركتي في ورشة العمل التي نظمتها وزارة التجارة في جمهورية الصين الشعبية بالتعاون مع مركز التعاون الاقتصادي الدولي بمقاطعة فوجيان، لتفتح أمامي باباً جديداً لفهم الصين بعمقٍ أكبر، ليس من خلال جولات سريعة أو زيارات رسمية محدودة، بل عبر تجربة معرفية غنية امتدت لعشرين يوماً متواصلة، جمعت بين المحاضرات واللقاءات والزيارات الميدانية.

وقد كان نجاح الورشة محققاً بفضل جهود فريق عمل متميز. فقد قام السيد هوانغ آن، مدير التدريب، والسيد We Zibin، نائب المدير بتقديم خبراتهم الإدارية والمعرفية، مع الحرص على أن تكون كل جلسة تدريبية مليئة بالمعلومات القيمة والتفاعل المباشر. كما كان للمنظمين هيبيان وجعفر وسوفانا دور بارز في تنسيق كل تفاصيل الورشة، من الإقامة والزيارات الميدانية إلى توفير كل المواد التدريبية، ما جعل التجربة سلسة وفعّالة وممتعة. ولا يسعني إلا أن أُشيد بهذا الفريق الذي تجلى فيه التفاني والاحتراف، وكان سبباً رئيسياً في جعل هذه الأيام العشرين محفورة في ذاكرتي كرحلة تعليمية وإنسانية رائعة.

منذ البداية بدا واضحاً أن الصين تضع الإنسان والمؤسسة في قلب مشروعها التنموي. فقد تطرقت المحاضرات إلى الإرشاد وبناء الفريق، والظروف الوطنية الأساسية للصين، ومسار تطوير القوى الإنتاجية المتقدمة في العصر الرقمي، والابتكار وريادة الأعمال، والاقتصاد الخاص. وتكاملت هذه المعرفة النظرية مع الزيارات الميدانية التي أظهرت لنا نموذج العمل الصيني عن قرب، من تنظيم الحزب الشيوعي، ومؤسسات التعليم والبحث، وصولاً إلى المتاحف والمعارض والمعابد، لتمنحنا رؤية متكاملة للصين الحديثة.

وعلى هامش هذه التجربة، لم يغب عني جمال الشوارع الصينية التي تبدو كلوحة بديعة، مرتبة ونظيفة، تنبض بالحياة والفن في تصميمها، كما أدهشني ابتهاج الناس وودهم الذي يملأ الجو دفئاً، مما جعل التجوال فيها متعة لا توصف ويضفي بعداً إنسانياً حقيقياً على الزيارة.

وفي الجانب الدولي، اكتشفنا كيف تسعى الصين عبر مبادرة “الحزام والطريق” لبناء شراكات متوازنة مع العالم، وخاصة مع الدول العربية، وكيف تتبنى فلسفة التحديث ذات النمط الصيني الذي يوازن بين الأصالة والمعاصرة وبين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. كما تعمقنا في فهم السياسات الاقتصادية، وبناء الحكومة الرقمية، والخدمات العامة، والتخطيط الشامل الذي يجمع بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع والبيئة في رؤية واحدة متكاملة.

وبين النظرية والتطبيق، اكتملت أمامنا صورة الصين كما رأيناها نحن: دولة تتحرك بثقة، تحافظ على جذورها، وتعيد تشكيل المستقبل بيديها. ولأن التجربة كانت استثنائية، فإن الزيارة التي امتدت عشرين يوماً لم تكن مجرد فترة تدريب، بل أصبحت جزءاً من حياتي لا يُنسى. لقد حُفرت تلك الأيام في ذاكرتي كصفحات مضيئة، مليئة بالتجارب والمواقف والأشخاص والمعارف التي ستظل ترافقني دائماً.

لقد عشت الصين كما هي، في جامعاتها ومؤسساتها وشوارعها ومعابدها، وفي تفاصيل حضارتها وتطورها، وكانت فرصة لرؤيتها بأعيننا، كما هي في واقعها، لا كما تُروى عنها. وما عدتُ بعدها كما كنت قبلها، بل أصبحت هذه التجربة مرجعاً غنياً للمعرفة والإلهام، وذكريات ستظل محفورة في قلبي.



اخبار مرتبطة