رباب نبهان تكتب: كُل… وأشكر 

العالم الآنالعالم الآن 30, يونيو 2026 05:06:53

كنتُ أقف على أطراف أصابعي، أحاول أن أتجاوز سور البلكونة بنظرةٍ خاطفة إلى بيت الجيران، حيث كانت الأغاني الصاخبة تبشّر بفرحٍ يملأ المنطقة. وسرعان ما وجدتني أردد بعفوية ما كان يغنيه مطرب شاب يشق طريقه وقتها في السكة الشعبية:

“ف السكة… ف السكة… ف السكة

وفجأة، هبطت يدٌ ثقيلة على كتفي، وسحبتني إلى الخلف — مش أمين شرطة لا — قال صاحبها بكل حزم

إياكِ أن تتركي أذنيكِ لكل عابر فن، وإياكِ أن تتسلل إليكِ كلمات مبتذلة… أنتِ في مرحلة التكوين، ولا أرغب في أن تكون

“ف السكة” جزءًا من تكوين ابنتي

آه يا والدي، لو علمتَ أني سمعتُ مؤخرًا في إذاعة الأغاني — وبعد العندليب بالضبط — أغنيةً لأحد العابثين! ولله الحق، أنا مش فاهمة مشكلته! بس أعتقد أنها “لحمية” أثرت على مخارج الألفاظ عنده، والمؤلف (إن كان ثَمّة مؤلف) لم يرحمه، وداس بالكلمات على مواطن ضعفه: “هو ده اللى أنتِ لابسه له ومتشيكة.. هو ده اللى أنتِ نازله له ومتهشتكة؟

قد يختلف الفن باختلاف الأزمنة، ولا حيلة لنا في ذلك. لكن ما لا يمكن التسليم به هو أن يصبح انحدار الذوق أمرًا طبيعيًا. وانتقل الوباء من الفن إلى الأكل واختياراته، والمطاعم الترند، والنكهات الكورية، حتى بات الناس يتوافدون إلى المطاعم التي يروّج لها البلوجرز (طبعًا دول بيسمعوا الراجل أبو لحمية)، ويقفون طوابير أمام طعام تدنت جودته، وارتفع سعره بشكل مبالغ فيه، بينما يخرج المستهلك راضيًا… بياكل ويشكر

ووصولًا إلى التعليم؛ مدارس وجامعات تشعرك أنها تمنحك مكرمة أو تقدم لك خدمة جليلة، لمجرد أنها وافقت على أن يملأ “المحروس” ابنك استمارة التقديم. واحتمالات الرفض، طبعًا، تفوق القبول، فتبدأ رحلة البحث عن واسطة “عشان يقبلوا ضناك الغالي”، ظنًا منك أنه التعليم الأفضل، بينما هو في الحقيقة — وبدون أي رحمة — التعليم الأغلى، وربما الأغلى… بلا تعليم من الأصل. وبرضه المواطن هنا… بياكل ويشكر

زميلي المواطن

هل لك أن تخبرني ، مَن المسؤول عن تلك الخلطة العجيبة التي آل إليها حالك؟ ذوقك باظ، وبقيت تنصح الناس بذوقك الوحش. نسيت حقوقك، استعذبتَ القهر، وبتتحايل على المطعم، والمدرسة، والمسلسل الرديء… بس عشان يضحكوا عليك ويستغلوك، وأنت سعيد وراضي

بدأت أبحث عن “الحنفية الأم”… المصدر الذي تتدفق منه كل هذه المفاهيم المشوهة، والقيم غير المضافة، التي يدفع المواطن في مقابلها كل ما يملك، وما لا يملك، عبر الكريديت كارد، ثم يسعد لأنه استطاع أن ينضم إلى أقرانه ممن يدفعون مقابل خدمات كانت في الأصل حقوقًا أصيلة، اختفت معالمها حتى أصبحت مزايا طبقية تُمنح لمن يستطيع أن يدفع ويصمت، ويأكل… ويقوم جائعًا… ويشكر

في إحدى المصالح والشبابيك الخدمية، بعد أن صدر قرار بتطوير المصلحة المعنية، وما شاء الله دخول عصر الرقمنة — والذي هو قرار يبدو لغرضٍ كان من الكبار شريفًا، ولكنهم لم يكملوا جميلهم ويجعلوا عليه حراسًا، حتى طالته يد الصغار ولعبت بهويته — فأصبح أداة لابتزاز ومساومة مواطنين وأفراد وشركات، وأشكال متعددة من المطالبين بحقوقهم .

وهذا ليس بغريب ولا جديد، لكن ما كان بالنسبة لي أكثر إيلامًا وإضحاكًا في آنٍ واحد، أن السادة المواطنين، وممثلي الشركات أيضًا، لم يعودوا يرون في الأمر ما يدعو للاستغراب، بل يتعاملون معه كأنه جزء طبيعي من الإجراءات، ويعتبرونها “لقطة” إذا صادفوا من يقدم لهم عرضًا أفضل. ويبدو أن المنافسة، حتى في الأعمال غير الشريفة، لها منافعها أيضًا؛ فقد أصبح للمواطن سعرٌ تنافسي، ينهي به مصلحته، بينما يستعيد “السيستم الواقع” كامل طاقته الاستيعابية بقدرة قادر، بمجرد أن يصل المقابل إلى أيادٍ غير أمينة

نصحنى أحدهم بكل إخلاص و حماس ” كل الأمور تُدار بهذه الطريقة، لن نكون نحن من يغرّد خارج السرب لتتعطل مصالحنا، و”مش إحنا اللي هنعدل المايلة”… وكل ما علينا هو أن نأكل و… نشكر

الرداءة ليست أخطر ما أصابنا… الأخطر أننا لم نعد نرفضها؛ اعتدناها، دافعنا عنها، نصحنا بها غيرنا، وأخيرًا شكرنا من قدمها لنا

 


#الأغاني #الذوق #المدارس #بيت الجيران #رباب نبهان تكتب #عبد الحليم حافظ #ف السكة #كُل... وأشكر #مصالح

اخبار مرتبطة