د.رانيا إكرام تكتب :فن الإدارة بين الخبرة المتراكمة ووضوح الرؤية

العالم الآنالعالم الآن 27, يونيو 2025 21:06:22

في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيير، وتتزايد فيه تعقيدات بيئة الأعمال، تبرز الإدارة كحجر الزاوية الذي يحدد مصير المؤسسات ونجاحها ومع ذلك، غالبًا ما نشهد ممارسات إدارية لا ترقى إلى مستوى التحديات، بل قد تكون سببًا رئيسيًا في تعثر المنظمات وتراجع أدائها

إن الحديث عن الإدارة الضعيفة ليس مجرد نقد عابر، بل هو دعوة للتأمل في أسس القيادة الفعالة، وفي مدى استعداد القادة لتحمل مسؤولياتهم الجسيمة فهل يمكن لربان سفينة لم يبحر في جميع المحيطات أن يقودها ببراعة عبر العواصف؟ وهل يمكن لقائد لم يختبر مرارة الفشل وحلاوة النجاح في مختلف المواقع أن يتخذ قرارات حاسمة تؤثر على مستقبل العشرات او المئات ؟ هذا المقال سيتناول بعمق هذه التساؤلات، مسلطًا الضوء على أهمية الخبرة الإدارية المتعددة، وضرورة وضوح الأهداف، وقيمة التقدير الفوري في بناء بيئة عمل مزدهرة
تعد الخبرة المتراكمة المبنية على تقلد العديد من المناصب بناءاً على الخبرة والكفاءة عمود الإدارة الرشيدة يُقال إن الخبرة هي المعلم الأفضل، وفي عالم الإدارة، هذه المقولة تكتسب بُعدًا خاصًا فكيف يمكن لمدير لم يتسن له تقلد العديد من الوظائف الإدارية، ولم يخض غمار التحديات في مستويات مختلفة من الهيكل التنظيمي، أن يفهم تعقيدات العمليات، أو يقدر حجم الضغوط التي يواجهها فريقه؟ إن المدير الذي يفتقر إلى هذه الخبرة المتراكمة أشبهب بالطبيب الذي لم يشخص حالة مرضية حقيقية. قد يمتلك المعرفة النظرية، ولكن التطبيق العملي، والقدرة على اتخاذ القرارات الصائبة تحت الضغط، وفهم ديناميكيات الفريق، كل ذلك يتطلب غوصًا عميقًا في تفاصيل العمل الإداري من مختلف الزوايا. إن التدرج الوظيفي، والتعرض لمواقف إدارية متنوعة، وصقل المهارات القيادية في بيئات مختلفة، هو ما يبني القائد الحقيقي القادر على الإلهام والتوجيه، لا مجرد إصدار الأوامر من برج عاجي. فغياب هذه الخبرة لا يولد سوى إدارة سطحية، تفتقر إلى العمق والبصيرة، وتكون عرضة للأخطاء التي قد تكلف المؤسسة الكثير
وضوح الأهداف البوصلةالي الإدارة الفعالةالتي لا تقتصر على الخبرة فحسب، بل تتجلى أيضًا في القدرة على تحديد أهداف واضحة، قابلة للقياس، وبعيدة عن أي غموض أو ‘مطاطية’. فكيف يمكن تقييم الأداء إذا كانت معايير التقييم فضفاضة وغير دقيقة؟ إن وضوح الأهداف هو البوصلة التي توجه الجهود، وتوحد الرؤى، وتضمن أن الجميع يسير في الاتجاه الصحيح. وبدون هذه البوصلة، تتحول المؤسسة إلى سفينة تائهة في بحر متلاطم، تتخبط بلا هدف، وتستنزف مواردها وطاقاتها دون جدوى وليس كافيًا مجرد تحديد هذه الأهداف أو الإشارة إلى وجود نواقص فالإدارة الحقيقية لا تكتفي بوضع اليد على المشكلات، بل تتجاوز ذلك إلى العمل الدؤوب على إصلاحها إن مجرد رصد الأخطاء أو الإشارة إلى القصور، دون تقديم حلول عملية ومتابعة تنفيذها، هو مضيعة للوقت والجهد فالإصلاح هو جوهر الإدارة، وليس مجرد التشخيص والمدير الذي يكتفي بالتشخيص دون العلاج، هو كطبيب يخبر المريض بمرضه دون أن يقدم له الدواء، فما الفائدة من معرفة الداء إذا لم يكن هناك سعي حقيقي للشفاء؟
التقدير الفوري: وقود الإنجازفي خضم السعي لتحقيق الأهداف وإصلاح النواقص، غالبًا ما يغفل بعض المديرين عن عنصر حيوي لا يقل أهمية عن التخطيط والتنفيذ، ألا وهو التقدير الفوري إن الاعتراف بالجهود المبذولة، والإشادة بالإنجازات، حتى لو كانت صغيرة، يمثل وقودًا معنويًا يدفع الأفراد والفرق نحو مزيد من العطاء والتميز فالتقدير ليس مجرد كلمة شكر، بل هو رسالة واضحة بأن العمل الجاد لا يمر مرور الكرام، وأن المساهمات الفردية والجماعية محل تقدير واهتمام المدير الذي يؤجل التقدير، أو يراه أمرًا ثانويًا، يرسل رسالة ضمنية بأن جهود الموظفين لا تحظى بالأهمية الكافية، مما يؤدي إلى تراجع الحافز، وتآكل الولاء، وفي النهاية، انخفاض الإنتاجية إن التقدير الفوري الصادق والموجه يبني جسور الثقة ويعزز الروح المعنوية ويخلق بيئة عمل إيجابية تشجع على الابتكار والإبداع فما قيمة الإنجاز إذا لم يجد من يقدره في حينه؟ وما فائدة العمل الشاق إذا لم يتبعه اعتراف يستحقه صاحبه؟ إن غياب التقدير الفوري هو أحد العلامات الدالة على إدارة لا تدرك قيمة رأس المال البشري، ولا تفهم أن التحفيز المعنوي لا يقل أهمية عن التحفيز المادي، بل قد يفوقه أثرًا في كثير من الأحيان.
تبني الأشخاص عديمي الخبرة من المفارقات المؤلمة في بعض البيئات الإدارية ظاهرة تبني الإدارة لأشخاص يفتقرون إلى الخبرة والكفاءة اللازمة، بل وقد يكونون عديمي المهارات تمامًا، ومنحهم مواقع تمكنهم من عرقلة مسيرة الموظفين الأكفاء. إن هذا التوجه، الذي قد ينبع من دوافع غير مهنية كالمحسوبية أو الرغبة في السيطرة المطلقة، يحول هؤلاء الأفراد إلى أدوات لتعطيل عجلة التقدم، وتهميش أصحاب الكفاءات الحقيقية فبدلاً من أن يكونوا عامل دفع وتطوير، يصبحون حجر عثرة أمام المبادرات الخلاقة ومصدر إحباط للموظفين الذين يمتلكون المهارات والرؤى القادرة على الارتقاء بالمؤسسة إن المدير الذي يحيط نفسه بهؤلاء هو في الحقيقة يحكم على مؤسسته بالجمود والتخلف، ويخلق بيئة طاردة للكفاءات، حيث يشعر انه في مواجهة مستمرة مع من هم أقل منه كفاءة، ولكنهم يمتلكون الدعم الإداري هذه الممارسات لا تضر بالإنتاجية فحسب، بل تدمر الروح المعنوية، وتقتل الإبداع، وتحول المؤسسة إلى ساحة صراع بدلاً من أن تكون ورشة عمل منتجة
وفى النهاية يجب ان نتذكر دائمًا أن الإدارة الفعالة هي فن وعلم يتطلب التزامًا مستمرًا بالتعلم والتطور، وإدراكًا عميقًا بأن النجاح الحقيقي هو نتاج جهد جماعي، يقوده قائد ملهم، يرى في كل تحد فرصة للنمو، وفي كل نقص دافعًا للإصلاح، وفي كل إنجاز مناسبة للتقدير.


#أخبار العالم الآن #العالم الآن الإخبارى alalamalan #العالم الآن. قناة العالم #جمهورية مصر العربية #د.رانيا إكرام تكتب :فن الإدارة بين الخبرة المتراكمة ووضوح الرؤية

اخبار مرتبطة