ليست الثورة ما يعلو في صخب الشارع، بل ما يترسّخ في عمق الوعي. لم تولد كحدثٍ سياسيٍّ طارئ، بل كانت لحظة انكشافٍ كبرى استعاد فيها الإنسان وعيه بين ركام التاريخ. عند اندلاعها، لم يجتمع الناس حول برنامجٍ مكتمل، بل حول يقينٍ بسيط وعميق. أن الوطن أوسع من الخوف، وأن الكرامة لا تُساوَم.
لم يكن صراعاً على السلطة، بل تمرّداً على اختزال الإنسان في قوالب ضيّقة. انبثقت صرخةٍ أخلاقية قبل أن تتشكّل كمشروع سياسي، تؤكّد أن الكرامة لا تُقاس بالعنف، ولا تُصادَر بالأيديولوجيا، ولا تُحتكر بالقبيلة. وفي عمقها، كانت محاولة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع. مواطنة تُبطل منطق الغلبة، وشراكة تُسقط وهم الإقصاء، وتفتح أفقاً لوجودٍ إنسانيّ أكثر عدلاً واتساعاً.
ليس أخطر ما يواجه الثورة أن تُهزم في ذروة اندفاعها، بل أن تنحرف وهي تظنّ أنها ما تزال على الطريق؛ فالهزيمة تُوقظ المراجعة، أما الانحراف فيتسرّب خفيةً عبر دروب التحوّل. ومع خفوت الهتاف وبدء معركة التفاصيل، لم يأتِ التبدّل صاخباً، بل زحف هادئاً، يُميل البوصلة قليلاً، حتى تغيّر المسار، واستحالت الغاية عمّا أُريد لها.
لم تكن الخطة الخفية نصّاً مكتوباً، بل سلوكاً يتخفّى في صمت الممارسة. بدأت حين انحرفت الثورة عن أفقٍ جامع إلى صراع النخب، لحظة طرح السؤال: من يحكم؟ ثم كيف نُحكم؟ وتوارى السؤال الأعمق، كيف نفهم ماهية الشعب الذي نزعم قيادته، ونفكّ شيفرات وعيه وتطلعاته؟ ومع تدوير الأدوات القديمة، الولاء، والمحاصصة، والإقصاء بواجهات جديدة توهم بالقطيعة مع الماضي، ظل الجوهر على حاله. تواصل العادة فعلها الصامت، وأعيد تشكيل الواقع كما كان، وإن تغيّرت أسماؤه.
لم يكن الشارع فضاءً للاحتشاد فحسب، بل ضميراً حيّاً ينطق حين يصمت الجميع، وكانت الشعارات ميثاقاً أخلاقياً مُكثّفاً حرية، سلام، وعدالة، تُوزَن بها الأفعال لا الأقوال، ويُختبر بها صدق المسار لا بريقه. غير أنّ الانحراف قلب المعنى. صارت القيم رموزاً مُعلّقة، تُستدعى عند الحاجة وتُؤجَّل عند الامتحان، فاحتفظت الكلمات برنينها، وفقدت ثقلها في ميزان الواقع.
لم يأتِ الانحراف صاعقاً، بل تسلّل في هيئة تسوياتٍ صغيرة بدت معقولة، حتى أعادت بتراكمها نسج الأزمة التي قامت الثورة لتفكيكها. عندها انفصلت القيادة عن القاعدة، وانزاح الفعل الثوري من التزامٍ حيّ بالقيم إلى خطابٍ تحكمه حسابات التكتيك. ولم يعد الممكن يُقاس بميزان العدالة، بل بتراضي توازناتٍ هشّة تُدار في الخفاء. ومع صعود المصالح الضيّقة، خفت صوت الفكرة، وتقدّمت المصالح لتعيد تشكيل المشهد على صورتها، لا على ما حلمت به الثورة.
أسوأ اللحظات حين فقدت الثورة روحها، فتراجع الحلم إلى المصالح الضيقة. حين اختزلت في حكومة، واختزلت الحكومة في وجوه وأسماء، وقدَّم الحفاظ على السلطة على صون المبادئ، تحوّلت الثورة من مشروع تغيير إلى مشروع بقاء، وضاع الحلم الأخلاقي بين حسابات القوة وظلال النفوذ.
أحياناً، لا يُهزم الحلم بالعنف، بل بانحرافه عن مساره. والسؤال ليس. لماذا فشلت الثورة؟ بل. كيف تسلّل الانحراف؟ فإدراك لحظة السرقة هو الشرارة الأولى للتصحيح. إذ لا تُهزم الثورات حين تفقد جوهرها فحسب، بل حين تتخلّى تدريجياً عن أسباب وجودها، فتتحوّل من قوة تُوقظ الأمل إلى صدى باهت يكرّر الماضي بلا تجديد.
ليست العودة إلى الجوهر حنيناً إلى ماضٍ مضى، بل استعادةً للبوصلة. إنها رجوعٌ إلى المعايير الأولى، وتأكيدٌ أن السياسة ليست إدارة مصالح فحسب، بل إدارة قيم، وأن الشرعية لا تُستمد من التوافقات وحدها، بل من القدرة على تجسيد تطلعات الناس، وتحويل آمالهم إلى واقعٍ حيّ يصون الكرامة ويؤمّن الأمل.
لا يكون تجاوز الخطة الخفية بكشفها وحده، بل بصناعة وعيٍ يعيد للثورة نبضها. وعيٌ يدرك أنها ليست لحظةً عابرة، بل مسارٌ متصل؛ ليست شعاراتٍ تُرفع ثم تُنسى، بل مسؤوليات يُحتكم إليها في كل فعل. ليست ملكاً لنخبةٍ أو جيل، بل أفقٌ مفتوح لكل من يؤمن بأن الوطن يمكن أن يكون أفضل، وأن التغيير الحق يبدأ بالفهم والعمل المشترك.
حين نغوص في عمق ما حدث ونسبر مسارنا، ندرك أن الحلم لم يمت، بل توقف عند مفترق طرق ينتظر خيارنا. لم يعد السؤال استرجاعاً للماضي، بل سؤال فعل. أي طريق نختار لنحوّل الكرامة إلى واقع، والحرية إلى ممارسة حقيقية، والأمل إلى رؤية تُضيء المستقبل؟ هنا، عند المفترق، يُكتب الفصل القادم؛ ليس لمن يختار الصمت مكان، بل لمن يملك الشجاعة والحكمة والإرادة ليعيد بناء الوطن ويحيي الأمل من جذوره.
abudafair@hotmail.com.

