عاجل
الجمعة. مايو 29th, 2026

خالد رغدان يكتب: اضطراب الفصام.. تفكيك الميثولوجيا الاجتماعية والرؤية العلمية للذهان

admin2023admin2023 29, مايو 2026 02:05:29

يعد اضطراب الفصام (Schizophrenia) واحدا من أكثر الاضطرابات النفسية والذهانية التي تعرضت للظلم والتشويه في الوعي الجمعي والموروث السينمائي والاجتماعي؛ حيث يُصوّر سطحيا وخاطئا على أنه “انفصام في الشخصية” أو تحول الإنسان إلى شخصيتين مختلفتين، إلا أن المنظور العلمي والعيادي يؤكد أن الفصام لا علاقة له بتعدد الشخصيات، بل هو اضطراب ذهاني مزمن ومعقد يؤثر على طريقة تفكير الإنسان وتصرفه وإدراكه للواقع المحيط به، مما يؤدي إلى ما يُعرف بـ “الانفصام عن الواقع”.

التصنيف العلمي لأعراض الفصام

يقسم الطب النفسي الحديث الأعراض الإكلينيكية لاضطراب الفصام إلى ثلاثة مسارات أساسية لتسهيل التشخيص ووضع الخطط العلاجية:

1. الأعراض الإيجابية (Positive Symptoms): وهي سلوكيات وأفكار تظهر لدى المريض وتُضاف إلى شخصيته ولم تكن موجودة من قبل وهي الأبرز ذهانيا وتشمل:

الضلالات (Delusions): معتقدات ثابتة وزائفة لا تتوافق مع الواقع، كأن يعتقد المريض بأنه مراقب، أو مستهدف (ضلالات الاضطهاد)، أو أنه يمتلك قوى خارقة (ضلالات العظمة).

الهلاوس (Hallucinations): إدراك حسي بدون وجود مؤثر خارجي وأشهرها الهلاوس السمعية (سماع أصوات تتحدث إليه أو تنتقده) والهلاوس البصرية.

التفكير والكلام غير المنظم: الانتقال العشوائي بين المواضيع وصعوبة تركيب جمل منطقية مفهومة.

2. الأعراض السلبية (Negative Symptoms): وتعني غياب أو نقص في السلوكيات والقدرات الطبيعية التي كانت موجودة لدى الإنسان قبل المرض وتشمل:

البلادة العاطفية: نقص التعبير عن المشاعر بملامح الوجه أو نبرة الصوت.

الانسحاب الاجتماعي: فقدان الاهتمام بالتواصل مع العائلة والأصدقاء والاهتمام بالأنشطة اليومية.

فقدان الإرادة (Avolition): صعوبة بالغة في البدء بالأنشطة الروتينية أو إتمامها (مثل العناية الشخصية).

3. الأعراض الإدراكية/المعرفية (Cognitive Symptoms): وتتعلق بضعف التركيز، ومشاكل في الذاكرة الضعيفة وصعوبة اتخاذ القرارات أو فهم المعلومات وتطبيقها.

الأسباب البنيوية والعصبية للاضطراب

لا يعود الفصام إلى سبب واحد منفرد، بل هو نتاج تفاعل معقد بين عدة عوامل يدرسها العلم الحديث بدقة:

  • العوامل الجينية والوراثية: تلعب الوراثة دورا كبيرا حيث تزداد احتمالية الإصابة إذا كان هناك تاريخ عائلي للمرض، على الرغم من أن وجود الجينات لا يعني حتمية الإصابة دون محفزات أخرى.
  • كيمياء الدماغ وبنيته: تشير الدراسات والمسوح الدماغية إلى وجود خلل في التوازن الكيميائي للنواقل العصبية وتحديدا مادة “الدوبامين” (Dopamine) ومادة “الغلوتامات” كما تظهر الصور الإشعاعية أحيانا اختلافات طفيفة في حجم بعض فصوص وبطينات الدماغ لدى المصابين.
  • العوامل البيئية والجهد النفسي: مثل التعرض لضغوط نفسية حادة، أو صدمات مبكرة، أو التعرض لعدوى فيروسية في الرحم أثناء الحمل، بالإضافة إلى أن تعاطي المخدرات التنشيطية يمثل عاملا محفزا قويا لظهور الأعراض لدى المستعدين جينيا.

الإستراتيجية العلاجية الحديثة وآفاق التعافي

إن النظرة العلمية المعاصرة للفصام انتقلت من مربع “العزل” إلى مربع “الإدارة والدمج”، حيث أثبتت الدراسات أن التدخل المبكر يغير مجرى الاضطراب تماما وتقوم الخطة العلاجية على ركيزتين:

  • العلاج الدوائي: يمثل حجر الزاوية ويتمثل في “مضادات الذهان” (Antipsychotics) بمختلف أجيالها الطبية، تعمل هذه الأدوية على تنظيم مستويات الدوبامين في الدماغ، مما يساهم بشكل فعال في السيطرة على الأعراض الإيجابية كالهلاوس والضلالات وحماية الدماغ من التدهور المعرفي.
  • التأهيل النفسي والاجتماعي: بعد استقرار الحالة دوائيا، يأتي دور العلاج المعرفي السلوكي (CBT) والتدريب على المهارات الاجتماعية والتأهيل المهني، يساعد هذا المسار المريض على فهم طبيعة مرضه والتعامل مع الضغوط اليومية والاندماج مجددا كعنصر مستقل وفعال في أسرته ومجتمعه.

الوعي المجتمعي كجزء من العلاج

إن أكبر عائق يواجه مرضى الفصام ليس الاضطراب في حد ذاته، بل “الوصمة الاجتماعية” الناتجة عن الجهل الطبي بطبيعة المرض، الفصام هو مرض عضوي نفسي كغيره من الأمراض المزمنة (مثل السكري والضغط)، يحتاج فيه المريض إلى الاحتواء الطبي، الدعم الأسري المستمر والابتعاد التام عن التفسيرات الخرافية.

إن نشر الوعي العلمي وتوفير بيئة اجتماعية داعمة وخالية من الأحكام المسبقة هو الخطوة الأساسية لتمكين المصابين من العيش بكرامة ومواصلة برامجهم العلاجية والوصول إلى الاستقرار النفسي والسلوكي المستدام.

خالد رغدان إختصاصي نفسي


#خالد رغدان يكتب: اضطراب الفصام.. تفكيك الميثولوجيا الاجتماعية والرؤية العلمية للذهان

اخبار مرتبطة