محمد حسام ثابت يكتب :من الأطراف إلى العاصمة… هندسة التمدد الإرهابي في مالي

admin2023admin2023 9, نوفمبر 2025 17:11:22

 

الإرهاب كقوة معادلة في الساحل الأفريقي
تبدو ظاهرة الإرهاب في الساحل الأفريقي اليوم أكثر تعقيدًا من مجرد عمليات مسلحة متفرقة، فالتنظيمات المتطرفة لم تعد تتحرك بوصفها مجموعات هاربة أو مطاردة، بل كقوى تسعى إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية والاقتصادية للدول من الداخل، وفي هذا السياق، تمثل مالي نموذجًا بالغ الدلالة على كيفية انتقال التنظيمات الإرهابية من هامش الدولة إلى قلب القرار، عبر ما يشبه حصارًا اقتصاديًا واجتماعيًا بطيئًا يقوّض قدرة الدولة على الصمود، دون اللجوء إلى المعارك المباشرة.
التمدد التدريجي لجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”
شهدت البلاد خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا لافتًا في نشاط جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، الذراع الأبرز لتنظيم القاعدة في غرب أفريقيا، التي باتت تقترب بخطوات محسوبة من العاصمة باماكو، وتشير التطورات إلى انتقال الجماعة من مرحلة السيطرة على أطراف الشمال والوسط، إلى استهداف محاور التجارة والوقود في الجنوب، بهدف خلق ضغط خانق على الحكومة العسكرية، ودفع مؤسسات الدولة نحو حالة اختناق تدريجي تنتهي باضطراب النظام الحاكم أو انهياره.
ركزت الجماعة عملياتها على ممرات حيوية لنقل الوقود من السنغال وساحل العاج، وهي شرايين أساسية يعتمد عليها الاقتصاد المالي بنسبة تصل إلى 95% من واردات الوقود، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع كبير في الأسعار، وعرقلة حركة النقل، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وصولًا إلى إغلاق المدارس وتباطؤ النشاط الاقتصادي، ومع هذا الاختناق، يتراجع دور الدولة ويصعد دور التنظيم، الذي يقدّم نفسه كقوة قادرة على فرض النظام وتأمين الموارد، مستغلاً هشاشة مؤسسات الحكم.
تحديات الجيش والمؤسسة العسكرية
يتقاطع هذا المشهد مع تحديات داخلية تعاني منها المؤسسة العسكرية المالية، أبرزها الخلافات بين المجموعات الحاكمة وتراجع الدعم العسكري الخارجي، خصوصًا بعد انسحاب فرنسا وتحول الدعم الروسي من التدخل المباشر إلى صيغة أقل كثافة من الإسناد، وإلى جانب ذلك، تجد الدولة نفسها أمام جبهة مفتوحة في الشمال مع حركات انفصالية مثل الأزواد، ما يؤدي إلى استنزاف قدراتها وتشتيت قوتها القتالية على أكثر من محور.
مالي على مفترق طرق
تنبع خطورة هذا التحول من إمكانية أن تتحول باماكو إلى أول عاصمة أفريقية يفرض تنظيم مرتبط بالقاعدة سيطرته عليها بشكل مباشر، وهو تحول لا يعني فقط تغيير موازين القوى داخل مالي، بل قد يفتح الباب أمام موجة انتشار متسارعة للحركات الجهادية إلى دول الجوار، خصوصًا النيجر وبوركينا فاسو، التي تواجه بدورها هشاشة أمنية وعمليات اختراق مشابهة.
القوة الوطنية كنموذج للحل
في المقابل، يظل الرهان على القوة الذاتية للدولة الوطنية، وعلى بناء منظومة أمنية وإدارية قادرة على استعادة السيطرة على المجال العام، وهنا تبرز أهمية تجارب دول تمكنت من دحر الإرهاب عبر مقاربات شاملة، وفي مقدمتها التجربة المصرية، التي نجحت خلال السنوات الماضية في مواجهة موجات عنيفة من التطرف، عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتطوير بنية الاستخبارات والمعلومات، وإعادة دمج المجتمع في عملية استعادة الأمن، وقد أسهمت هذه المقاربة في تضييق المساحات أمام التنظيمات الإرهابية، وتجفيف منابع الإمداد والتمويل، وصولًا إلى استعادة السيطرة الكاملة على المجال الأمني، وتمثل هذه التجربة نموذجًا يمكن لدول الساحل الأفريقي الاستفادة منه في معالجة ما تعانيه من فراغ مؤسسي واضطراب سياسي وأمني.
المعركة على الشرعية والقدرة على التمثيل
إن مستقبل مالي اليوم يتوقف على قدرة الدولة على كبح هذا التمدد المتدرج، وعلى نجاحها في إعادة بناء شبكة نفوذها داخل المجتمع، فالمعركة لم تعد معركة مواقع عسكرية، بل معركة الشرعية والقدرة على تمثيل الدولة في حياة الناس اليومية، وإذا لم تستطع الدولة استعادة هذا الدور، فإن الفاعلين من خارجها سيملؤون الفراغ سريعًا.
استشراف المستقبل الإقليمي
وبينما تترقب المنطقة ما سينتهي به الحال خلال الأسابيع المقبلة، يبدو واضحًا أن ما يجري في مالي ليس حدثًا محليًا معزولًا، بل تطور استراتيجي يعيد رسم خريطة الأمن في الساحل والصحراء، ومن ثم، فإن التعامل معه يتطلب رؤية جماعية، وليس مقاربة أمنية ضيقة أو ظرفية، فالنتيجة النهائية لن تحدد مستقبل مالي وحدها، بل مستقبل الإقليم بأسره.

………….

محمد حسام ثابت – مدير برنامج دراسات الإرهاب والتطرف بمركز مسارات للدراسات الاستراتيجية


#..الأوساط الأوروبية والأمريكية #"التثقيف المالي للشباب" في محاضرة بمكتبة الإسكندرية #أخبار العالم الآن #الرئيس عبدالفتاح السيسي #العالم الآن الإخبارى alalamalan #محمد حسام ثابت – مدير برنامج دراسات الإرهاب والتطرف

اخبار مرتبطة