الأمين العام لجمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان: نحتاج إلى خطاب حقوقي بحريني أكثر حضورًا وتأثيرًا دوليًا
في ظل التحولات السياسية والأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبرز قضايا حقوق الإنسان باعتبارها أحد الملفات التي تتقاطع بصورة مباشرة مع الأمن والاستقرار والتنمية الاجتماعية. وفي هذا السياق، تواصل مملكة البحرين تطوير منظومتها التشريعية والمؤسسية في عدد من المجالات الحقوقية، بالتوازي مع تحديات جديدة فرضتها التطورات الإقليمية والتحول الرقمي وانتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا الحوار، يتناول فيصل فولاذ، الأمين العام لجمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان، واقع حقوق الإنسان في المملكة، وأبرز الملفات التي تحتاج إلى مزيد من التطوير، إلى جانب تداعيات الأزمات الإقليمية على المجتمع البحريني، وتجربة البحرين في مكافحة الاتجار بالأشخاص، ودور مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية في المرحلة المقبلة.
واقع حقوق الإنسان في البحرين
بعد المستجدات التي شهدتها البحرين والمنطقة خلال الأشهر الماضية، كيف تقيّمون واقع حقوق الإنسان في المملكة اليوم، وما أبرز الملفات التي ترون أنها تحتاج إلى مزيد من التطوير والمعالجة؟
ج: أرى أن واقع حقوق الإنسان في مملكة البحرين اليوم يجب أن يُقرأ في إطار شامل، يأخذ بعين الاعتبار حجم المتغيرات والتحديات السياسية والأمنية والإقليمية التي مرت بها المنطقة خلال الأشهر الماضية.
وعلى الرغم من هذه الظروف الاستثنائية، استطاعت البحرين المحافظة على استقرار مؤسسات الدولة واستمرار العمل بالقانون، بفضل حكمة وقيادة جلالة الملك المعظم، وبدعم من صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والتفاف الشعب الوفي حولهما، إلى جانب استمرار برامج التطوير في العديد من الملفات الحقوقية والاجتماعية.
لقد شهدت المملكة خلال السنوات الماضية تطورًا ملحوظًا في البنية المؤسسية والتشريعية المرتبطة بحقوق الإنسان، سواء من خلال تطوير التشريعات، أو تعزيز منظومة العدالة، أو برامج العقوبات البديلة والسجون المفتوحة بقيادة معالي وزير الداخلية وفريقه الأمني بالوزارة، أو دعم حقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقة، فضلًا عن الاهتمام المتزايد بمكافحة الاتجار بالأشخاص وحماية العمالة الوافدة.
كما أثبتت تجربة البحرين خلال الأزمات الأخيرة أهمية الربط بين حقوق الإنسان والأمن الإنساني؛ فحق المواطن والمقيم في الحياة والأمن والسلامة وحماية أسرته وممتلكاته هو حق أساسي لا يقل أهمية عن بقية الحقوق المدنية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، فإن العمل الحقوقي عملية مستمرة، ولا توجد دولة تصل إلى مرحلة تقول عندها إن جميع الملفات قد أُغلقت نهائيًا. ونحن في جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان نرى أهمية الاستمرار في تطوير عدد من الملفات، وفي مقدمتها تعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا، وتوسيع برامج الصحة النفسية، ولا سيما للأطفال والمتضررين من الأزمات، وتطوير حماية العمالة، وزيادة الوعي بالحقوق والواجبات، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح والمواطنة.
كما نرى أهمية مواصلة تطوير التشريعات بما يواكب التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي وحماية البيانات والخصوصية ومكافحة الجرائم الإلكترونية، لأن مفهوم حقوق الإنسان أصبح اليوم أكثر اتساعًا ولم يعد مقتصرًا على المفاهيم التقليدية.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة تعميق المكتسبات الحقوقية وتحويلها إلى ثقافة مجتمعية مستدامة، يشترك فيها المواطن والدولة ومؤسسات المجتمع المدني.

تداعيات الأزمات الإقليمية على المشهد الحقوقي
س: بعد الأحداث والتوترات التي شهدتها المنطقة مؤخرًا، كيف تقرأون المشهد الحقوقي في البحرين؟ وما أبرز الملاحظات أو القضايا التي سجلتها الجمعية خلال هذه المرحلة؟
ج: الأحداث الأخيرة أكدت لنا أن الأمن وحقوق الإنسان ليسا مفهومين متعارضين، بل يكمل أحدهما الآخر. فلا يمكن الحديث عن ممارسة الحقوق والحريات بصورة طبيعية في مجتمع لا يشعر أفراده بالأمان، وفي الوقت نفسه لا يمكن بناء أمن مستدام دون احترام القانون والحقوق والحريات والكرامة الإنسانية.
وخلال الأشهر الماضية، ركزت جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان بصورة كبيرة على الأثر الإنساني للأحداث الإقليمية على المجتمع البحريني، من خلال المشاركة في تأسيس التحالف الدولي لمواجهة عدوان النظام الإيراني، ورصد العدوان على دول الخليج العربي والأردن. وقد أصدر التحالف حتى الآن تقريرين دوليين تم تسليمهما إلى الهيئات والمنظمات الدولية حول آثار هذا العدوان، وخصوصًا الهجمات والتهديدات الخارجية على المدنيين والأطفال والأسر، وما نتج عنها من حالة قلق وخوف وضغوط نفسية.
ومن أبرز الملفات التي رصدناها التأثير النفسي للأزمات على الأطفال. وقد أجرينا في الجمعية دراسة ميدانية خاصة حول هذا الجانب، وأظهرت نتائجها أن نسبة كبيرة من الأطفال الذين شملتهم الدراسة تأثروا نفسيًا بأصوات الانفجارات والإنذارات والأحداث الأمنية، وهو ما يدعونا إلى إعطاء الصحة النفسية للأطفال أولوية أكبر في السياسات الاجتماعية والحقوقية المقبلة.
وفي المقابل، سجلنا بصورة إيجابية حالة التماسك الوطني التي ظهرت في المجتمع البحريني خلال الأزمات، والتعاون بين مختلف مكونات المجتمع، ودور الجهات الرسمية والأمنية والصحية والدفاع المدني في التعامل مع تداعيات الظروف الاستثنائية، إلى جانب الدور الكبير لقوة دفاع البحرين والحرس الوطني ووزارة الداخلية.
كما تابعنا عددًا من الملفات المتعلقة بالعدالة والإجراءات القضائية، ونحن دائمًا نؤكد أن سيادة القانون واستقلال القضاء وضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة تمثل ركائز أساسية لأي منظومة حقوقية.
ونحن نرفض في الوقت نفسه تسييس الملف الحقوقي أو استخدامه أداة لخدمة أجندات سياسية أو تدخلات خارجية، لأن حقوق الإنسان في جوهرها يجب أن تكون لخدمة الإنسان، وليس لإدارة الصراعات السياسية بين الدول.
ما تحتاجه المنطقة اليوم هو خطاب حقوقي مسؤول يجمع بين حماية الحريات، وسيادة القانون، وحماية الأمن الوطني، ورفض العنف والإرهاب والتدخلات الخارجية، وهي معادلة نرى أن البحرين قطعت خطوات مهمة في ترسيخها.
التشريعات والالتزامات الدولية
س: إلى أي مدى نجحت البحرين خلال السنوات الأخيرة في تطوير منظومتها التشريعية والحقوقية بما يتوافق مع التزاماتها الدولية، وما التشريعات أو الإجراءات التي ترون أنها ما زالت بحاجة إلى مراجعة أو تطوير؟
ج: من يتابع التجربة البحرينية خلال السنوات الأخيرة سيلاحظ وجود تطور واضح في البنية التشريعية والمؤسسية لحقوق الإنسان، ويمكننا القول إن المملكة انتقلت من مرحلة بناء المؤسسات إلى مرحلة تطوير الممارسة وتعزيز الاستدامة.
هناك اليوم منظومة من المؤسسات والآليات الوطنية التي تعمل في مجالات حقوق الإنسان والرقابة والتظلمات ومتابعة أوضاع النزلاء والإصلاح والتأهيل، إلى جانب برامج العقوبات والتدابير البديلة والسجون المفتوحة، وهي تجارب مهمة تعكس توجهًا نحو مفهوم أكثر تطورًا للعدالة يقوم على الإصلاح وإعادة الإدماج، وليس العقوبة وحدها.
كما شهدنا تطورًا في التشريعات المرتبطة بحماية المرأة والطفل ومكافحة العنف الأسري والاتجار بالأشخاص وحقوق العمال، إلى جانب انفتاح البحرين على الآليات الدولية ومناقشة تقاريرها والتزاماتها أمام المؤسسات الأممية.
لكن تطوير المنظومة القانونية يجب ألا يتوقف؛ فالمجتمع والتكنولوجيا وأنماط الجرائم تتغير بسرعة كبيرة.
ونرى، مثلًا، أهمية مواصلة تحديث التشريعات المتعلقة بحماية البيانات الشخصية والخصوصية الرقمية والذكاء الاصطناعي والجرائم الإلكترونية، ووضع ضمانات واضحة لاستخدام التقنيات الحديثة بما يحفظ حقوق الأفراد.
كما نؤيد استمرار مراجعة التشريعات الاجتماعية والعمالية بما يعزز حماية العمال، وخصوصًا العمالة الوافدة وعمال الخدمة المنزلية، وتوفير آليات سريعة وفعالة للتعامل مع الشكاوى والمنازعات العمالية.
ومن الملفات المهمة أيضًا تعزيز الوساطة والتسوية البديلة للنزاعات، وتوسيع نطاق البرامج الإصلاحية والعقوبات البديلة كلما كان ذلك ممكنًا من الناحية القانونية والأمنية.
فالنجاح الحقيقي ليس فقط في إصدار التشريعات، وإنما في قياس أثرها على حياة الإنسان. ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تركز بدرجة أكبر على التقييم المستمر للقوانين والسياسات، وقياس فعاليتها عمليًا، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة والممارسات الدولية الفضلى.

مكافحة الاتجار بالأشخاص في عصر التكنولوجيا
س: في ملف مكافحة الاتجار بالأشخاص، أين تقف البحرين اليوم من وجهة نظركم؟ وما أبرز التحديات الجديدة التي فرضها استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل في الاستغلال والاتجار بالأشخاص؟
ج: حققت مملكة البحرين خلال السنوات الماضية تقدمًا مهمًا في ملف مكافحة الاتجار بالأشخاص، وأصبح هذا الملف من أبرز الملفات التي حظيت باهتمام تشريعي ومؤسسي ورسمي كبير.
وقد ساهمت التشريعات الوطنية والجهات المختصة وآليات حماية الضحايا ومراكز الإيواء، وتعزيز التعاون بين أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، في بناء تجربة متقدمة في هذا المجال.
كما أن استمرار التقدير الدولي للجهود البحرينية في مكافحة الاتجار بالأشخاص، خاصة أنها للمرة الثامنة تحرز المركز الأول في تقرير الخارجية الأمريكية، يعكس أن ما تحقق ليس مجرد إجراءات مؤقتة، وإنما نتيجة تراكم لسياسات وتشريعات وآليات عمل تمتد لسنوات.
لكننا أمام تحدٍ جديد وخطير يتمثل في انتقال جانب متزايد من جرائم الاستغلال والاتجار إلى الفضاء الإلكتروني.
فوسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية أصبحت تستخدم أحيانًا في الإعلان عن وظائف وهمية، واستدراج الضحايا، والاستغلال الجنسي، والابتزاز الإلكتروني، واستغلال الأطفال، أو نقل الأموال وإخفاء هوية شبكات الجريمة المنظمة.
كما أن تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق قد تخلق في المستقبل أشكالًا أكثر تعقيدًا من الاستغلال والابتزاز، الأمر الذي يتطلب تحديثًا مستمرًا لأساليب المكافحة.
وهنا نرى ضرورة العمل على عدة مستويات: تطوير القدرات التقنية للجهات المختصة، وتوسيع التعاون الدولي لتتبع الشبكات العابرة للحدود، وزيادة الوعي لدى الشباب والأسر والعمالة الوافدة بمخاطر عروض العمل الوهمية والاستدراج الإلكتروني، إلى جانب تطوير آليات الإبلاغ السريع وحماية الضحايا.
ونحن في جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان نرى أن البحرين لديها فرصة للانتقال من مرحلة النجاح الوطني في مكافحة الاتجار بالأشخاص إلى مرحلة الريادة الإقليمية في مكافحة الاتجار الرقمي بالأشخاص، من خلال الجمع بين الخبرة الحقوقية والتشريعات والتكنولوجيا الحديثة.
المجتمع المدني ودور الجمعيات الحقوقية
س: كيف تقيّمون دور مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية البحرينية في المرحلة الحالية؟ وهل تعتقدون أن حضورها وتأثيرها محليًا ودوليًا يتناسبان مع حجم التحولات والملفات الحقوقية التي تشهدها المنطقة؟
ج: مؤسسات المجتمع المدني شريك أساسي في أي منظومة حقوقية ناجحة، ولا يمكن للدولة بمؤسساتها الرسمية وحدها أن تغطي جميع القضايا المجتمعية والحقوقية. ولذلك فإن الجمعيات الحقوقية تتحمل اليوم مسؤولية أكبر من أي وقت مضى.
في البحرين لدينا خبرة متراكمة في العمل الأهلي والحقوقي، وهناك جمعيات ومراكز وشخصيات حقوقية تمتلك خبرات وعلاقات إقليمية ودولية جيدة، لكن طموحنا يجب أن يكون أكبر.
ونحن في جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان، باعتبارنا ثاني أقدم جمعية حقوقية في مملكة البحرين، حيث تأسست الجمعية عام 2004، نشارك في اجتماعات مجلس حقوق الإنسان الدورية في جنيف وغيرها من المؤتمرات والدورات، ولنا دور في تأسيس تحالف حقوقي دولي مع منظمات حقوقية دولية، وللتحالف العضوية الاستشارية لدى الأمم المتحدة.
التحولات التي تشهدها المنطقة أصبحت عالمية التأثير، وبالتالي لم يعد كافيًا أن يكون نشاط الجمعيات الحقوقية محصورًا في البيانات المحلية. يجب أن يكون للمجتمع المدني البحريني حضور فاعل في جنيف ونيويورك وبروكسل ولندن والقاهرة والعواصم المؤثرة، وأن يستطيع عرض وجهة نظر المجتمع البحريني، وتوثيق الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المنطقة، والمشاركة في النقاش الدولي حول حقوق الإنسان.
وقد قدمت الجمعية طلبًا للمشاركة في مقترح المفوض السامي لحقوق الإنسان بشأن تأسيس التحالف الدولي لحقوق الإنسان.
ومن واقع تجربتنا في جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان، فإننا نؤمن بأهمية العمل الحقوقي المبني على التوثيق والدراسات والبيانات، وليس الشعارات فقط.
ولهذا حرصنا خلال المرحلة الماضية على إعداد الدراسات والتقارير، والاهتمام بتأسيس مركز شباب البحرين لحقوق الإنسان في الجمعية، حيث ستكون القيادة القادمة لهم في العمل الحقوقي، إلى جانب رصد التداعيات الإنسانية للأحداث، والتواصل مع المؤسسات الحقوقية الدولية، وإيصال وجهة النظر الحقوقية البحرينية إلى المحافل الخارجية.
كما أرى أن الجمعيات الحقوقية البحرينية بحاجة إلى الاستثمار بصورة أكبر في الشباب والمرأة والباحثين القانونيين، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتحليل الرقمي والتوثيق الحديث، وتكوين شبكة أوسع من الشراكات مع المنظمات الحقوقية العربية والدولية.
ونحتاج كذلك إلى مزيد من التنسيق بين منظمات المجتمع المدني البحرينية؛ لأن العمل المشترك والتحالفات الحقوقية أكثر تأثيرًا من العمل الفردي المتفرق.
وأؤكد هنا أن الجمعية الحقوقية الناجحة يجب ألا تكون مع الدولة في كل شيء ولا ضد الدولة في كل شيء، وإنما يجب أن تكون مع الحق والقانون والمصلحة الوطنية وكرامة الإنسان. فإذا تحقق إنجاز أشدنا به، وإذا وجد قصور قدمنا الملاحظة والتوصية والحل بصورة مهنية ومسؤولة.
وأعتقد أن البحرين اليوم لديها فرصة حقيقية لتطوير نموذج متميز للمجتمع المدني الحقوقي يجمع بين الانتماء الوطني والمهنية والاستقلالية والانفتاح على العالم.
وفي المرحلة الحالية تحديدًا، نحن بحاجة إلى خطاب حقوقي بحريني أكثر حضورًا وتأثيرًا دوليًا، يدافع عن حقوق الإنسان، ويحمي المكتسبات الوطنية والمشروع الإصلاحي، ويرصد الانتهاكات بصورة مهنية، ويعمل من أجل السلام والاستقرار والعدالة في البحرين والمنطقة.

