عاجل
الثلاثاء. مارس 10th, 2026

ظاهرة ضرب المرأة في الشارع المصري… خلل مجتمعي وفراغ تشريعي

admin2023admin2023 24, ديسمبر 2025 12:12:34

بقلم: د/ نجوى الأباصيري – المحامية

شهدت الآونة الأخيرة تداول عدد متزايد من مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، ترصد وقائع تعدي ذكور على نساء في الطريق العام، سواء كن شابات أو مسنات، ولأسباب تتراوح بين خلافات شخصية أو مجرد استعراض للقوة.

وتكشف هذه الوقائع، الموثقة بالصوت والصورة، أن الاعتداء على المرأة لم يعد سلوكًا خفيًا، بل بات فعلًا علنيًا يمارس في الشارع، بما يعكس تراجعًا خطيرًا في الحاجز الأخلاقي لدى بعض الأفراد، ويمثل تهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي.

 

ورغم اختلاف دوافع الاعتداء، يظل القاسم المشترك بينها أن الجاني ذكر والمجني عليها أنثى، وأن الواقعة غالبًا ما تتم في إطار من العلنية والإذلال. وتتعرض المرأة للضرب والإهانة جهارًا، بينما يقف المجتمع في كثير من الأحيان موقف المتفرج، في تراجع واضح عن القيم الاجتماعية المصرية التي طالما رفضت التعدي على المرأة.

 

في المقابل، لا يعكس الإطار التشريعي القائم جسامة هذه الأفعال على النحو الكافي. إذ تناول قانون العقوبات جرائم الضرب والجرح في المواد 241 و242 و243، مفرقًا بين درجات الإصابة ووسيلة الاعتداء وعدد الجناة، دون أي اعتبار لكون المجني عليها أنثى.

فنصت المادة 241 على معاقبة من أحدث جرحًا أو ضربًا نشأ عنه مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية لمدة لا تزيد على عشرين يومًا بالحبس أو الغرامة، مع تشديد العقوبة حال استخدام سلاح، بينما عالجت المادتان 242 و243 صور الضرب الأقل جسامة أو الحالات المقترنة بتعدد الجناة أو استعمال الأسلحة.

ورغم هذا التفصيل، تغيب أي خصوصية تشريعية للاعتداء على المرأة، وكأن الاعتداء على الرجل والمرأة سواء في الطبيعة والآثار، وهو ما لا يتفق مع الواقع الاجتماعي ولا مع خطورة العنف الموجه ضد النساء. وهي مساواة شكلية تبدو عادلة ظاهريًا، لكنها تتجاهل الأبعاد النفسية والإنسانية والمجتمعية للاعتداء على المرأة.

 

ويبرز التناقض التشريعي بوضوح حين يعترف المشرّع نفسه بخصوصية التعدي على الأنثى في مواضع أخرى من القانون، إذ شددت المادتان 375 و375 مكرر من قانون العقوبات العقوبة في جرائم البلطجة واستعراض القوة إذا وقع التعدي على أنثى، إدراكًا لخطورة هذا السلوك وما يحمله من دلالات القهر والترويع وانتهاك الكرامة الإنسانية.

 

ويعني ذلك أن المشرّع لا ينكر خصوصية المرأة كمجني عليها، لكنه قصر هذا التشديد على جرائم بعينها، دون أن يمتد إلى جرائم الضرب والجرح، رغم شيوعها وانتشارها وتزايد توثيقها علنًا.

ويرى مراقبون أن هذا التناقض يكشف فراغًا تشريعيًا يستدعي تعديل مواد الضرب والجرح، بما يحقق اتساق السياسة الجنائية ويضمن حماية فعالة للمرأة.
فالمطالبة لا تتعلق بقوانين استثنائية أو عقوبات انتقامية، بقدر ما هي دعوة إلى تدخل تشريعي واعٍ يعترف بأن الاعتداء على المرأة ليس مجرد واقعة ضرب، بل جريمة مركبة تستوجب حماية خاصة.

 

ويبقى السؤال مطروحًا: هل يتطور القانون لمواكبة الواقع، أم يظل الشارع يحاكم المرأة مرتين؛ مرة باليد، ومرة بالصمت؟


#الدكتورة نجوى الأباصيري #ضرب المرأة #نجوى الأباصيري

اخبار مرتبطة