شهدنا في هذا الزمان ، كثرة الهرج، والقتل ، وقبضة العلم ، وموت الكثير من العلماء الصادقين ، وعلو صوت الجهل بين الناس حتى صاروا يفتون بلا علم ، وانتشرت فتنة الأحلاس، وهرب الناس من بيوتهم ،ونشبت الحروب بين صفوفهم ،وكشف بعض العلماء أن الأمة تمر بمقدمات شديدة لفتنة الدهيماء ،والتي فيها يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً من شدة تقلب القلوب والشبهات والشهوات، وتلك هي الفتنة الكبري التي يتبعها ظهور المسيح الدجال .. وشهدنا الزلازل المتتالية تضرب دول العالم يومياً كما حدث هذا العام فى دول فنزويلا ، وكولومبيا ، إندونيسيا، إسبانيا، ماليزيا، اليابان ، بيرو، المكسيك ،الفلبين، مصر، أفغانستان ، وخليج عدن، وغيرهم ، وآلاف البيوت تتهدم، وآلاف القتلي تتساقط، والخسائر المادية بالمليارات الدولارية ،وأصبح كل ما حولنا يصرخ فينا غضباً وينذرناً باقتراب الساعة، استنادا لحديث نبينا محمد ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل القتل» ،ورغم كل ذلك إلا أن الملايين بيننا لازالوا فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ عن قوله تعالي: “وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا”، أي تذكيرا، وإنذارا، ودعوة حق للعودة إلى تعاليم المولى عز وجل.
وما شاهدناه مؤخرا فى قلب أحد أجمل المدن السياحية المصرية، والمعروف عنها أنها قبلة النخبة والأثرياء والمشاهير، وهي تصدح في الليالي الصيفية بأصوات نجوم الغناء فى حفلات متتالية بغرض تنشيط السياحة والمتعة والترفية، وتحديداً في حفل الفنان “محمد رمضان” على مسرح بورتو جولف الساحل الشمالي ،لا نظن أبدا أنه من قريب أو بعيد يعكس انتباه البعض أنه كان زلزالاً للهوية المصرية .. فلقد صدمنا ونحن نشاهد طالبات جامعة وسيدات في منتصف العمر بهيئات غير لائقة متكدسات بين آلاف الحاضرين يزاحمون بعضهم البعض من أثر الحماس الذى يدب في أوصالهم بسماعهم للموسيقي الصاخبة والكلمات الغريبة لغوياً والاستعراضات المثيرة، وعند بلوغ الإحتفالية ذروتها، فوجئنا بعدسات الكاميرات ترصد صراخاً هيستيرياً لإحداهن وأختها يستغيثون بأفراد الأمن أسفل المسرح للسماح لهن بالخروج من بين الحشد الجماهيري، والأدهي من ذلك الموقف مشهد سيدة عجوز يقترب عمرها من السبعين ،ترتدي جلبابا ريفي بسيط تقف فى الصفوف الأمامية تستغيث بدورها بالأمن .. فما كان من النجم الحالم بوصول صوت مصر الغنائي للعالمية إلا أن يتوقف عن الغناء ويستجيب لاستغاثتهن ويوجه الأمن بإخراجهن.. وبدون إزالة الحواجز الحديدية التأمينية،تم خروجهن محمولين علي أذرع الرجال في مشهد يندى له الجبين يتنفسن صعداء النجاة .
وعلى النقيض في قلب القاهرة التاريخية ، في مشهد فني فريد امتد لنحو 10 ليال على مسرح محكي القلعة،صدحت أصوات نخبة من كبار نجوم الغناء والموسيقي وسط 47 ألف مشاهد من الطبقة الوسطى فى هذا المجتمع ، ممن يبحثون عن حقهم في الاستمتاع بالفن الأصيل في ظل أجواء تفاعلية محترمة ومنظمة .. مما جعلنا نرصد كم التباين الجلي بين أهل “مصر” وأهل “إيجيبت”!!
ولحين عودة أهل مصر وطناً واحداً بسلام من غربة هذا الإنقسام الحاد، وصياغة هُوية مصرية جديدة مرنة متماسكة تستوعب هذا التنوع دون تمييز ينبغي على كل منا السعي للعيش بتوازن وتصالح مع الذات، وإدراك أن سر إستعادة سلامة قلوبنا هو في مدى قدرتنا على تنظيم أنفسنا ، والبدء في رحلة التخلي عن إفساد الأرض بكل الصور والأشكال، بعدها ستتجلى لنا أدوارنا الدنيوية التي خلقنا الله تعالى من أجلها..(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .. وما كان أبداً متاع الدنيا ولهوها إلا غرورا وإنقيادا معاكساً لصدق النوايا ..فلا تأمنوا مكر الله، ولا تغتروا بزينة الدنيا..اللهم نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.. دمتم سالمين حتى قيام الساعة.

