لطالما مثلت “الحصانة البرلمانية” نقطة جدل محورية في الأنظمة السياسية حول العالم. خاصة في الدول الساعية إلى ترسيخ مبادئ الشفافية والمساواة أمام القانون.
فبينما يرى البعض أنها درع لا غنى عنه لحماية النائب من الاضطهاد السياسي وتمكينه من أداء مهامه دون خوف. يراها فريق آخر. وربما الأغلبية. امتيازاً غير دستورياً وعائقاً أمام المساءلة.
البرلمان هو السلطة التشريعية التي تضع القوانين. ومن المفترض أن يكون أعضاؤها أول الملتزمين بها وأكثرهم خضوعاً لها. إن فكرة أن تكون هناك فئة من المواطنين. حتى لو كانوا ممثلين للشعب. محصنة ضد الإجراءات القانونية العادية. تتعارض بشكل صارخ مع المبدأ الدستوري الأساسي. الناس سواسية أمام القانون.
من هذا المنطلق. يمكن القول بأن الحصانة المطلقة خارج القبة البرلمانية لا استحقاق لها من الأساس. فالنائب. بمجرد خروجه من قاعة الجلسات. يعود مواطناً عادياً يمارس حياته الخاصة والعامة.
إن ربط عضوية وقتية غير مهنية بامتيازات حماية جنائية خارج إطار الوظيفة العامة هو خلط بين الحماية الوظيفية والامتياز الشخصي.
إن الغرض الأصيل والوحيد المبرر لوجود أى نوع من الحصانات هو تمكين النائب من التعبير عن رأيه بحرية. والقيام بمهامه الرقابية والتشريعية. دون خوف من ملاحقة قضائية بسبب آرائه أو تصويته. وهذا ما يُعرف بـ حصانة القول والفعل. والتى يجب أن تقتصر بشكل صارم تحت قبة البرلمان وأثناء أداء العمل البرلماني فقط. فلا جدوى من امتداد الحصانة خارج القبة. فليس لدى النائب أسرارًا حربية يخشى تسريبها خارج مبنى البرلمان. خاصة وأن العضوية وقتية وليست أبدية. والعضوية ليست مهنية.
إن الممارسات الديمقراطية في العديد من الدول التي تعد نموذجاً للتقدم تؤكد هذا التوجه نحو التضييق على الحصانة أو إلغائها خارج الإطار الوظيفي. ففي الولايات المتحدة الامريكية و المملكة المتحدة. تقتصر الحصانة بشكل شبه مطلق على ما يُقال أو يُفعل داخل البرلمان. ويُلاحق النائب قضائياً في القضايا الجنائية العادية دون تعقيدات رفع الحصانة. مما يعكس فهماً عميقاً لـ سيادة القانون. فهذه الدول المتطورة لا تعرف هذا الصنيع الواسع الذي يضع ممثل الشعب فوق القانون.
هنا يأتى السؤال الأكثر إيلاماً. ما هو السبب وراء التهافت والمحاربة الشديدة من أجل مقعد برلماني. خاصة من قبل مرشحين لا تتوافر فيهم الكفاءة أو الوقت الكافي لخدمة المواطن ؟
الواقع يشير إلى أن الحصانة المطلقة أصبحت المغناطيس الذي يجذب فئة من المرشحين. ليس بدافع خدمة الوطن. بل للحصول على مظلة حماية شخصية واقتصادية من المساءلة القانونية أو الالتزامات المدنية. فضلاً عن النفوذ والمصالح التي يتيحها المنصب.
هل يعقل أن من يدفع الملايين من أجل الحصول على كرسي برلماني يكون خالصاً لله وللمواطن.
الواقع يقول لا. العضو الذي ينفق مبالغ طائلة على حملته الانتخابية يسعى لتحقيق عائد استثماري. إما في صورة حماية لثروته ونشاطه. أو تعظيم لهذا النشاط مستغلاً النفوذ والسلطة التشريعية.
الحصانة. في هذه الحالة. تتحول من أداة حماية العمل التشريعي إلى أداة حماية الفساد أو التهرب.
ولن يكتمل الإصلاح الا بمنع أى امتيازات خاصة للنواب تجعل من العضوية البرلمانية مطمعاً ومقصداً دائماً. يجب تجريد العضوية من كل الامتيازات المادية والمعنوية التى تخرج بها عن كونها مسئولية وطنية شاقة. بحيث يقتصر الأمر على المكافأة المناسبة للجهد المبذول فقط.
وحينها. ستصبح العضوية البرلمانية مسئولية فعلية يسعى إليها فقط من يحسن معنى المسئولية. ومن يملك الكفاءة والإخلاص لخدمة الناس. وليس من يرى فيها درعاً شخصياً أو وسيلة للاثراء غير المشروع.
إن استمرار العمل بالحصانة البرلمانية بمفهومها الواسع وباقي الامتيازات يرسخ فكرة طبقة فوق القانون. وهو أمر يهدد البنية الأخلاقية والقانونية للدولة.
فهل من مجيب ؟

