د. الهادى عبد الله أبو ضفائر يكتب :حين يستعيد الإيمان رسالته.. من عبادة المظهر إلى فقه العمران

admin2023admin2023 26, أغسطس 2026 21:08:39

تأتي ذكرى المولد النبوي الشريف والوطن يعيش واحدة من أكثر لحظاته قسوة، حربٌ أرهقت الإنسان ومجتمعٌ أنهكته الانقسامات واقتصادٌ ضاقت فيه سبل العيش ومدنٌ فقدت كثيراً من مقومات الحياة وجيل ينظر إلى المستقبل بقلقٍ لا يشبه أحلامه.

وفي مثل هذا الظرف، ربما لا يكون السؤال كيف نحتفل بالمولد؟ وإنما ماذا بقي من الرسالة في حياتنا؟

هذا السؤال لا ينتقص من التدين ولا من الشعائر وإنما يدعونا إلى النظر في المسافة التي نشأت بين العبادة وأثرها في الواقع. فقد انشغلنا في أحيان كثيرة بما يظهر من التدين حتى تراجعت الأسئلة المتعلقة بما تصنعه التقوى في الإنسان حين يدخل مجال السياسة، الاقتصاد، الإدارة أو الحياة الاجتماعية.

فالدين لا يُقاس فقط بما يفعله الإنسان في خلوته وإنما بما يفعله حين يصبح مسؤولاً عن حق غيره. ما قيمة صلاة لا تمنع صاحبها من الظلم؟ وصيام ظل صاحبه قادراً على أكل حقوق الآخرين؟ وما جدوى موعظة لم تتحول إلى أمانة في العمل وعدل في الحكم ورحمة بالضعيف وصيانة للمال العام؟

هذه ليست دعوة إلى التقليل من شأن الشعائر وإنما استعادة جوهرها الذي يحوّلها من أداء عابر إلى أثر حيّ في السلوك. فالعبادة في عمقها تربيةٌ للضمير، تُعلّم الإنسان أن يقاوم هواه حين تغريه المصلحة وأن يتمسك بالحق حين يكون تجاوزه أسهل وأن يصون حقوق الآخرين حتى في غياب الرقيب.

وهنا تتكشف المسافة بين التدين بوصفه هوية والإيمان بوصفه مسؤولية. حين يتمظهر الدين في المجال العام ينبغي أن يكون ضميراً للسلطة لا زينةً لها وحارساً للعدل لا غطاءً لتبرير الظلم. وفي الاقتصاد تتجلى قيم الدين في الأمانة وصون حقوق الضعفاء ومحاصرة الاستغلال. وفي المجتمع يصبح رحمةً تحفظ كرامة المختلف لا معياراً لتصنيف الناس وإقصائهم.

الرسالة المحمدية لم تأت لتصنع مجتمعاً متشابهاً وإنما إنساناً يدرك حقه وواجبه، ويحفظ للآخر كرامته. قال تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). التنوع ليس خللاً في الخلق يستدعي الإلغاء وإنما سنة كونية، تبدأ المشكلة حين نسيء إدارته، فيتحول الاختلاف إلى خوف، والخوف إلى إقصاء، والإقصاء إلى صراع.

وهنا يكمن جوهر الأزمة. فالمأساة ليست سياسيةً، اقتصاديةً أو اجتماعيةً فحسب، إنها أزمة في طريقة تفكيرنا في الإنسان والدولة والاختلاف والمسؤولية، وفي عجزنا عن تحويل القيم التي نؤمن بها إلى سلوك تصنع حياةً أكثر عدلاً واستقراراً.

لقد أصبحت السلطة في أحيان كثيرة غايةً في ذاتها والانتماء أقوى من الكفاءة والعلاقات الشخصية أقصر الطرق إلى الفرص بينما تراجعت قيمة العمل العام بوصفه أمانة.

وفي الاقتصاد، لم يعد السؤال: كيف ننتج؟ وإنما كيف نجعل الإنتاج طريقاً للعدالة والازدهار، بحيث تتوزع ثماره على المجتمع، وتتحول الدولة من مستهلك للموارد إلى بيئة حاضنة للإنتاج والمعرفة والابتكار وتصبح الثروة وسيلةً لبناء الإنسان لا امتيازاً لقلة. وفي المجتمع تراكمت جراح التاريخ من دون معالجة عميقة فبقيت الهويات الفرعية أحياناً أقوى من الشعور بالمصير المشترك.

الخروج من المأزق يتطلب أكثر من تسوية سياسية مؤقتة، نحتاج إلى مشروع تأسيس جديد يقوم على خمس دعائم مترابطة. سلامٌ يعالج جذور النزاع ودولةُ مواطنة يحكمها القانون واقتصاد منتج يفتح فرص العمل وتعليمٌ يعيد بناء العقل قبل المناهج وثقافةٌ تجعل الاختلاف آمناً وتحول التنوع إلى ثراء.

ولا يمكن فصل هذه المسارات عن بعضها. فالسلام الذي لا تسنده العدالة هش، والعدالة التي لا تحميها المؤسسات تظلّ رهينة ظروف، والمؤسسات التي لا يسندها وعي عام قابلة للاختطاف والاقتصاد الذي لا ينتج فرصاً يعيد إنتاج الاحتقان.

ما ينقصنا أعمق من مشروعٍ لإعادة البناء، إننا بحاجة إلى فقهٍ للعمران يعيد تعريف علاقتنا بالأرض والإنسان والمسؤولية. قال تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). فالإعمار ليس نشاطاً مادياً منفصلاً عن الإيمان وإنما تجسيدٌ له حين يقوم على الأمانة والعدل ويجعل من بناء الإنسان وصون كرامته وإصلاح الحياة مسؤوليةً أخلاقية قبل أن تكون مشروعاً دنيوياً.

العمران الذي نحتاجه، بناء مدرسة تحفظ عقل طفل ومستشفى يصون حياة مريض ومصنع يخلق فرصة عمل ومسكن يحفظ كرامة أسرة وطريق يصل بين المدن والأرياف ومؤسسة تحمي المال العام ومشروع ينتج الغذاء كلها صور للعبادة، إذن لابد من تعريفها من خلال أثرها لا من خلال شكلها وحده.

هنا تتجاوز ذكرى المولد الاحتفال إلى مراجعة علاقتنا بالدين والدولة والاقتصاد وببعضنا بعضاً. وأعظم وفاء للرسالة أن نغادر أسر المظهر إلى الجوهر ومن عبادة تُرى إلى أخلاق تُعاش ومن التدين الفردي إلى المسؤولية العامة ومن خلاف يمزقنا إلى اختلاف يثري تجربتنا ومن انتظار الحل إلى صناعة شروطه.

فالوطن لا يحتاج إلى مجتمع متطابق وإنما إلى مجتمع يعرف كيف يختلف دون أن يهدم البيت الذي يجمعه. وإذا كان المولد يذكّرنا برسالة جعلت الرحمة قيمة، والعدل ميزاناً والإنسان محوراً للتكليف فإن واجبنا أن نحول هذه المعاني إلى واقع، إيماناً يصير أمانة، وأمانةً تصنع عدالة، وعدالةً تفتح طريق الإنتاج والعمران. عندها يصبح المولد أكثر من ذكرى نستعيد فيها البوصلة ونسأل أي وطن نريد أن نتركه لأبنائنا؟.
abudafair@hotmail.com


#د. الهادى عبد الله أبو ضفائر يكتب :حين يستعيد الإيمان رسالته.. من عبادة المظهر إلى فقه العمران

اخبار مرتبطة