د. أسامة بيومي يكتب:ألقاب المواطن.. من المهد إلى اللحد

admin2023admin2023 26, أغسطس 2026 16:08:05

يتنقل المواطن طوال حياته بين ألقاب ومسميات كثيرة، دون أن يدري أن لقبه يتغير مع كل مرحلة من مراحل عمره. والغريب أن أول مرة يذهب فيها إلى «مكتب الصحة» لا يكون هو من اختار الذهاب، وآخر مرة يذهب فيها إلى المكان نفسه لا يكون هو أيضًا صاحب القرار!
وبين شهادة الميلاد وشهادة الوفاة، يعيش المواطن رحلة طويلة من الألقاب؛ بعضها تطلقه عليه أسرته، وبعضها تمنحه له الحكومة، وبعضها تفرضه عليه الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وهناك ألقاب أخرى تمنحه ومنها الطبقة البرجوازية، وحتى الخارجون عن القانون.
من «اسم الدلع» إلى «الطالب»
أول لقب يحصل عليه المواطن في حياته لا يأتي من الحكومة، وإنما من أسرته؛ إنه «اسم الدلع». لكن الدولة، لا تعترف إلا بالأوراق الرسمية، فتمنحه أول لقب موثق: «مولود»، وتصدر له شهادة الميلاد التي تصبح مفتاح حياته الرسمية.
ثم تتوالى الألقاب مع مراحل العمر؛ «رضيع»، ثم «طفل»، ثم «قاصر»، حتى يصبح «بالغًا» كامل الأهلية أمام القانون.
وبعدها يدخل المدرسة، فيتحول إلى «طالب»، ثم ينهي دراسته ويحصل على لقب «خريج».
وقبل أن يبدأ حياته العملية، يمر بمحطة أخرى، فيؤدي «الخدمة العسكرية» ويحمل خلالها لقب «جندي».
وبعد انتهاء الخدمة، يخرج إلى سوق العمل، فتستقبله الحياة بلقب قد يكون الأسرع حصولًا عليه: «عاطل».
وبعد رحلة طويلة من البحث عن وظيفة، وتقديم الأوراق، والانتظار، وربما الاستعانة بالواسطة، ينجح أخيرًا في العمل، فينتقل من لقب «عاطل» إلى لقب «موظف».
ومع تقلبات الحياة وارتفاع الأسعار وضغوط المعيشة، قد يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى الاقتراض، فينتقل من لقب «موظف» إلى لقب «مديون».
وإذا تعثرت أحواله ولم يستطع السداد، فقد يتحول اللقب إلى «غارم»، وربما تتطور الأمور في بعض الحالات ويحصل على لقب سجين.
أما إذا تزوج، فتظهر مجموعة جديدة من الألقاب الأكثر لطفًا: «عريس»، ثم «زوج»، ثم الدلعتى ثم «أبو فلان»، ومع مرور السنوات يصبح «البركة» أو عم “الحاج” .
والألقاب لا تمنحها الحكومة وحدها
فالطبقة البرجوازية والتى تستغل المواطن لاستثمار رأس مالها لها قاموسهما الخاص.
في السوبر ماركت هو «زبون».
وعند الحلاق صلح «قفا الزبون»!
وعند سائقي الميكروباص يرى المواطن اللى فى الشارع مجرد «أجرة» لازم ياخدها قبل ما يلتقطه سائق أخر.
وفي المستشفى يتحول إلى «حالة».
وفي منظومة التموين يصبح «بطاقة».
وفي التأمين الصحي يتحول إلى «رقم».
وفي الإسكان يصبح «كراسة شروط».
وعند شركات الكهرباء والمياه والغاز يصبح «مشتركًا».
أما في عالم الجريمة، فالألقاب تصبح أكثر قسوة؛ فعند تجار المخدرات «مدمنًا» ، وعند عصابات الاتجار بالأعضاء يروا المواطن مجموعة من الاعضاء يجب بيعها فيتحول الإنسان، في نظرهم، من صاحب اسم وكرامة إلى مجرد جسد يجب خطفه واستغلاله.
وهكذا يقضي المواطن عمره متنقلًا بين الألقاب.
ويظل المواطن طوال حياته مستهلكًا؛ يستهلك السلع والخدمات، ويدفع الضرائب والفواتير والأقساط، ويتعامل مع الحكومة والسوق والبنوك والتجار، وفي كل مكان تقريباً يجد لقباً جديداً ينتظره.
حتى يصل إلى المحطة الأخيرة.
مكتب الصحة.
المكان نفسه الذي بدأت منه حكايته رسمياً، يعود إليه مرة أخرى لاستخراج شهادة الوفاة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
المواطن لم يذهب إلى مكتب الصحة بنفسه يوم مولده، لأنه لم يكن يستطيع الذهاب.
ولم يذهب إليه بنفسه يوم وفاته، لأنه لم يعد يستطيع الذهاب.
ومع ذلك، يظل مكتب الصحة شاهداً على بداية الرحلة ونهايتها.
يولد المواطن في ورقة…
ويموت في ورقة.
وبين الورقتين يعيش عمراً كاملًا من الألقاب.
لكن وسط كل هذه الأسماء والمسميات، يبقى هناك لقب واحد كان يجب ألا يسقط من حساب أحد:
«إنسان».
فالمواطن قبل أن يكون رقماً أو بطاقة أو زبونًا أو حالة أو مشتركًا أو مدينًا، هو إنسان له كرامة وحقوق وأحلام.
من المهد إلى اللحد…
تتغير الألقاب، ويبقى المواطن هو المواطن.
أما مكتب الصحة، فيظل أول وآخر محطة في رحلة لم يختر المواطن بدايتها…
ولم يملك قرار نهايتها لكن كان يحتاج أن يشعر أنه إنسان.


#د. أسامة بيومي يكتب:ألقاب المواطن.. من المهد إلى اللحد

اخبار مرتبطة