في الوقت الذي يكدح فيه المواطن المصري البسيط يومياً لتدبير إحتياجات أسرته وسداد التزاماته، تحت وطأة طاحونة إقتصادية أثقلت كاهله، نجد على الجانب الآخر عالماً مختلفاً تماماً في الساحل الشمالى تباع تذاكر الحفلات بآلاف الجنيهات، وطاولات بعشرات الآلاف، وـVIP له حساب آخر،
حفلة محمد رمضان الأخيرة، بما صاحبها من إستعراض وصخب وتدافع ومشاهد أثارت جدلًا واسعاً، تفتح باباً أكبر من مجرد الحديث عن فنان أو حفلة. فالمشهد في بعض هذه الحفلات أصبح، في صورته الصادمة، أشبه بحفلات عبدة الشيطان؛ لا مكان فيها للوقار أو الاحترام أو الأخلاق، وإنما للصخب والاستعراض وكسر كل الحدود.
فهل ذهب هؤلاء للاستمتاع بالغناء فعلًا، أم أصبح التكدس والتدافع و”المعجنة” جزءًا من المتعة؟ وهل تحولت بعض الحفلات إلى مساحة لاستعراض الجسد والمال، بدلاً من أن تكون مجرد وسيلة للترفيه؟
لسنا ضد الفن ولا ضد الفرح، ولا نحاسب أحدًا على أمواله، لكننا أمام فجوة اجتماعية صارخة. تذكرة واحدة قد تساوي جهاز عروسة بسيطة تمشي على قدميها تحمل شنطة تسرح بها على المقاهي لتساعد أسرتها، وركنة سيارة بآلاف الجنيهات قد تكفي لمصاريف أسرة لمدة شهر، وزجاجة مياه صغيرة قد تساوي ثمن دواء لمريض يبحث عن جنيهات تكمل علاجه.
المشكلة ليست في أن هناك أغنياء ينفقون أموالهم، وإنما في الصورة التي تصل إلى ملايين المصريين الذين يعانون من الغلاء وضيق المعيشة. الأخطر أن الفجوة الاقتصادية بدأت تتزامن مع فجوة في القيم؛ لغة هابطة، سلوكيات عشوائية، استعراض مفرط، وظهور مشاهد كان المجتمع يرفضها بالأمس.
وهنا يجب أن نتوقف: إلى أين نحن ذاهبون؟
المجتمع لا يحتاج فقط إلى قوانين، وإنما يحتاج إلى وعي وتربية وإعلام وتعليم ورجال دين مستنيرين يعيدون التأكيد على أن الحرية ليست فوضى، وأن الفن ليس إسقاطًا للأخلاق، وأن الشهرة لا تمنح صاحبها الحق في هدم ما تبقى من قيم المجتمع.
وبما أن الحكومة تعتمد على الضرائب التى تفرضها على المواطن كجزء من مواردها فآن الأوان أن تعفي المواطن الكحيان من كافة الضرائب وتضيفها على حفلات عبدة الشيطان والمهرجانات والرعاه والمطربين وهى مش هتكون فارقة معاهم … يمكن إيراداتهم تسدد ديون مصر.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الحفلات الصاخبة بقدر ما نحتاج إلى حفلة إنقاذ حقيقية للإنسان المصري، قبل أن تصبح الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون أكبر من قدرة المجتمع على الاحتمال.
